حدثٌ آخر

أسمَيتُك على اسم جدِّك (أحمد)، وكانت نفسي تغالبني في هذا الاسم عند تسمية (سفيان)، وردَّني عنه أنَّ كنية خالتك فايزة: (أم أحمد)، فما أحبَّتْ (ماما) أن يكون في عائلتها (أم أحمد) أخرى، فكان هذا الاسم من نصيبك. أمَّا لماذا لم نسمِ مالكًا (أحمدَ)؟، فتلك قصّة أخرى!!

كان جدُّك أحمد (مأ سامؤ) في مكة علمًا في أعيان الفطانيين، كانت لا تُنْكِره أُذُن الفطانيين الذين رُمِلوا الآن، ولم يبقَ منهم إلا أفراد قلائل مدَّ الله في أعمارهم. طالبَ علم مواظبٍ على حلقات الشيخ عبد الكريم بنجر في المسجد الحرام (رحمهما الله). وحتى يوم مولدك لم يكن أحدٌ من أعمامك قد اختار هذا الاسم لأحدٍ من أبنائه، فكأنّك كنتَ مع اسمك على قدرٍ (أحمد ولد عمَّتك فاطمة، غير داخل في الحِسبة).

أضأتَ يا ولدي سماءَ عائلة (السَّامؤ) يوم السبت التَّاسع من صفر عام 1423هـ الموافق للثاني والعشرين من أبريل عام 2002، بعد ستَّة أعوام من مولد أخيك مالك، ولقد كان برُفقتي حين انطلقنا بعد صلاة العشاء إلى مستوصف في حي الملاوي لنعود بك إلى المنزل، ونحتفل بانتظامك في عائلتنا الصّغيرة. ومن فرط السُّرور داعبتُ أخاك مالكًا (الذي أخذ نصيبَه من التّدليل موفًّى طيلة ستة أعوام) بقولي: لقد جاءنا أحمد، وسوف نلقي بك وبسفيان في الشّارع.

كانت مداعبةً غبية لم أحسب لها حسابًا، قلتُها له حين بَلَغنا خبرُ مقدَمك، ورُبّ كلمةٍ تقولُ لصاحبها: (دعني)، وما أسعد الملافظ الجميلة!! ولذلك أُسْقِط في يدي حين قال لي مالك ونحن مُتَّجهين إليك: بابا، لا ترمينا في الشّارع.

كِدَّتُ لعِظم الكلمة أصعقُ من قوَّة وقعها على قلبي، فانتحيتُ بالسّيارة جانبًا، وضممتُه إلى صدري، وأنا أربت عليه، وأقول: لا يا بابا، لا يمكن أن أفعل ذلك، كنتُ أمزح معك.

لا أدري، هل لا زِلتَ تذكر هذه الحادثة يا مالك، ولكني لم أنسها أبدًا، وما زلت أشعر بغُصةٍ كلما تذكّرتُها، وأتذكر عينيك وهما تلمعان حين نطقتَ بتلك الكلمات التي آلمتني، ولا زالت تؤلمني. فاغفر لي يا ولدي، فهي إحدى زلَّاتي في تربيتكم، وإنَّ لها لأخوات !!

سَعِدَتْ بك جدُّتك، وفرحت باسمك فرحًا لم تستطع أن تكتمه، وقام جدُّك يومَ سابعك بتحنيكك، وللفطانيين طّبيعة في تعيبرهم عن مشاعرهم تحدثتُ عنها في (رائحة المطاط). ولقد أدركتَ جدَّك في سنواته الأخيرة، فلا أدري هل تذكره جيّدًا أم غابت ملامحُه عنك، ولكنه كان يحبُّك، ويفخر بأحمد الصَّغير.

في صغرك دلَّت مواقفُ كثيرة على قسوةٍ فيك، وحبٍّ طفوليٍّ للعبث بطرقٍ غير متوقعة بأحواض أسماك الزّينة، وإفسادها، ولا أظنُّك تنسى العلقة السَّاخنة التي حظيتَ بها من عديلي أبي يوسف حين عبثتَ بحوض أسماكه، وكانت تلك محبةً منه؛ لأنَّ الموزِّع الكهربائي الذي كان على غطاء الحوض كاد أن يقع في الماء، فتهلك، فأنقذك الله به.

لم أتلقَ استدعاءً من إدارة مدرسةٍ قط بسبب عراكٍ خاضه أحد أشقائك، ولكني في المقابل استُدعيت بسببك مرّتين في المرحلة الابتدائية، ومرّتين في الثّانوية، وفي كلّها كنتَ أنتَ المعتدي بالضّرب المبرح لزملائك. نعم، أدرك أنَّك لم تكن فيها مَنِ ابتدأ العِراك، ولكنك كذلك لم تكن ممَّن يتجنبها. وحتى في ثانوية بانكوك تمَّ استدعاءُ أخيك مالك، لضربك المُبرح لاثنين من زملائك في وقتٍ واحد.

أنتَ لا تسير في خُطى سفيان ومالك في الدِّراسة، ولكنك في المقابل أُعْطيتَ موهبةً ونَفَسًا في فنون الطَّبخ، وكم أنا فخورٌ بوضوح رؤيتك لمستقبلك، واختيارك لنفسك أن تعمل في إعداد الحلويات، وتُعِدُّ نفسك بعد الثَّانوية لإنشاء مشروعك الخاصّ. وهو ما أثمِّنه فيك، وأباركه لك، ولا أعارضه، بل ستجدني دائمًا خلفك أعزِّز فيك اختياراتك. وقد سبق أن اعترفتُ لك: أنِّي أعشقُ كلّ الأصناف التي تُعِدُّها، وأكثر ما أعشقه منها إضافةً لحلوياتك: طبق البيتزا خاصّتُك.

وإنَّ فيك لخصلةً لا أدري من أين تسرَّبت إليك؟ ولكنها يقينًا ليست منِّي، وهي النِّظام والتَّرتيب، وأنت بهذه الخصلة أقرب ما تكون من أبنائي شبهًا بعمِّك الأكبر أبي إياد (حفظه الله)، وتزيدُ على أبي إياد أنَّ لديكَ هوسًا بالنَّظافة.

حبيبي حمودي !!

كنتَ في مكَّة تعيشُ في عُزلةٍ، ليس لديك الكثير من الأصدقاء، فلا تزورُ ولا تُزار، وليست لديك علائق قوية بزملاء صفوفك الدّراسية الأُولى، ولا بزملائك في حلقات التّحفيظ، فنادرًا ما تخرج معهم. ولذلك كنتُ كثيرًا ما أداعب (ماما) بقولي: (مو كنتِ تتمني بنت، ربّي عوضك بهذا الولد عن البنت اللي تساعدك في البيت). ولكن مواهبك الاجتماعية تفجَّرت في بانكوك، فغدوتَ شابًّا يحبُّ الحديثَ عن صداقاته الجديدة. بل لا جديد عنده يحبُّ أن يشارك به أباه في اتّصالاته الهاتفية إلَّا هي، فالحمد لله الذي رقَّق حاشيتك.

كلمةٌ أخيرةٌ يا ولدي ..

أنتَ قد تجاوزتَ فترة المراهقة قبل ثلاث سنوات، وقلمُ التّكليف يجري في صحائفك من يومها، فلا بدَّ أن تقوِّي هذه الحقيقة في نفسك، ولا تغفل عنها. وإنَّ ممَّا أحمدُه فيك أنَّك أكثر أشقائك حرصًا على أداء الصّلوات في أوقاتها، وعلى تعاهد ما حفظته من القرآن الكريم، فالزم ذلك، وإنِّي أرجو أن يحفظك الله بها.

الأربعاء 10 صفر – 9 أكتوبر

24 thoughts on “حدثٌ آخر”

  1. ما شاء الله ..
    أصبح ديدني أني لا أنام إلا وأقرأ ما سطرته أناملك،
    سرد سلس، وتربية رائعة، وترابط جميل بينكم رغم بعد المسافة.
    وفقك الله وسددك وحفظ لك أبناءك

  2. ما شاء الله تبارك الله
    الله يحفظ لك حمودي ويوفقه في حياته وفي آخرته وينور له دربه ومستقبله ويطمنك عليهم يا رب

    1. اللهم آمين،،
      جزاكم الله خيرًا يا أبا آيات على هذه الدّعوات المباركة،،
      أسأل الله أن يصلح لنا ولكم الذريّة، ويُحسن العاقبة لنا ولهم في الدّنيا والآخرة،،

  3. كنت برفقة والدي -رحمه الله- ريثما ننتظر الخطيب بالمسجد الحرام كي يعتلي المنبر ..
    أذكر حينها أني لمحت العم أحمد -رحمه الله- أول مرة مع ولده إبراهيم قادمين من جهة المسعى ..
    كان ملبسهما الأبيض باهرا وهما يفترشان السجاد ..
    كنتُ وإبراهيم في المرحلة الابتدائية وكنا معا في مدرسة واحدة وصف واحد لكننا لم نكن في فصل واحد .. نعرف بعضنا وننكر ..
    فلما قُضِيت الصلاة ذهبنا إليهما وتصافحنا مرحبين ..
    ثم قال والدي حينها : هذا صديق والدك .. فاتخذ ولده صديقا لك .. كان يقصد بذلك إبراهيم أبا محمد ..
    رحم الله العم أحمد .. ما زال يذكر ما بينهما من الود في آخر زيارتي له بالمستشفى التونسي ويذكر والدي بكل خير ..
    جمعهما الله معا في مستقر رحمته إخوانا على سرر متقابلين ..
    وحفظ الله لك الشيف أحمد ذا البيبي فيس ..

    1. ذكرى جميلة دافئة عن علاقة الوالد بأبيك، أعتزّ بها.
      كان الوالد (رحمه الله) يولي عناية خاصّة بأخي أبي محمّد،،
      كان مشروعًا للوالد صرف عليه الكثير من وقته وجهده،،
      وكم كانت لأبي آمال وأحلام في أولاده!!، غفر لنا وله، ورفع درجاته،،
      شكرًا لك أبا عبد اللطيف على إثرائك الدّائم لهذه الجداريات.

  4. ماشاء الله تبارك الله ،،،
    الله يحفظ عيالك يا دكتور ويسدد خطاهم ويوفقهم في حياتهم العلمية والعملية ويرفعون رأسك فخرا واعتزازا
    وأسأل الله أن يصلح ولدي ( أحمد ) وإخوته من بعده ويوفقهم للخير والرشد أفتخر بهم في حياتي ويدعون لي بعد وفاتي ،، يارب

    1. اللهم آمين،،
      أسأل الله أن يبلغ بولدك أحمد وإخوته منتهى آمالك وأحلامك فيهم،،
      وأن تقرّ عينك بهم، ويكونوا فخرًا لكلّ الفطانيين من بعدك،،

  5. اللهم احفظهم جميعاً
    جميل يا حبيبنا يا ابو سفيان انك تحتفظ بطفولة ابناءك
    اسعدك الله ياعزيزي وفرح الله قلبك بهم

  6. رائعة جديدة من روائعك يا عزيزي
    حفظ الله لك أحمد وجعله محمودا في الدنيا والآخرة، وحفظ أمه وإخوته، وجعلكم جميعا مباركين هادين مهديين.

  7. بارك الله في عيالك… وان شاء الله يكونو فخرا لك… و ملاحظتي : ( انظمامك لعائلتنا) او انضمامك .؟

    1. حياك أبا يزن،،
      أظنّ العبارة مكتوبة هكذا (بانتظامك في عائلتنا) وهي مقصودة،،
      شكرًا لجليل اهتمامك أيها العزيز، والله يرعاكم،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *