بدعةٌ عائليّة

لم تتعود أنتَ ولا أحدٌ من إخوتك، أن يُحتفى بيوم مولدك؛ لذا سأحتفي الليلة بذكرى مولدك في هذه الجدارية، ويكون قد مضى عليه أكثر من 24 ساعة (فلا يعظمُ علينا النَّكير).

هذه بدعة اجتماعية سوف نحدثها في حياتنا وليس في ديننا، أن نحتفي بذكرى ميلادنا في هذا الفضاء الإلكتروني، وحسبنا ذلك، فلا شموع، ولا كعكات، ولا هدايا، ولا مفاجآت. سوف نقتصر على نشر ذكريات دافئة من ذاكرتنا العائلية. والذي دعا إلى هذه البدعة الاجتماعية= الحياة الاستثنائية التي نعيشها في وقت تدوين هذه (الجداريات)، فقد توزَّعتنا الأرض؛ أنتم في بانكوك (أعني: ماما، ومالك، وأحمد، وأنت)، وسفيان في كوالالمبور، وأنا في البلد الحرام.

لقد وُلِدتَ (كما هو معلوم لديك) يوم الجمعة الموافق للسّابع من صفر عام 1429هـ، ويوافق ذلك في التَّأريخ الشَّمسي الخامس عشر من فبراير عام 2008م، في عيادات الدكتورة سعاد الكائنة في مدخل حي الخنساء.

زُفَّ إليَّ خبرُ مولدك مع إعلام المؤذنين بدخول وقت صلاة المغرب، فكان الخبرُ سَكِينةً في قلبي. شعرتُ بالطّمأنينة، وأحسستُ بالرّضا، وامتلأتُ بمشاعر العُزوةِ والفخار لاكتمال الأركان الأربعة، فله الفضل والمِنَّة ربٌّ كريمٌ منعمٌ متفضِّلٌ.

أسميناك (أنا وماما) توفيقًا، رجاء أن يكون لك حظٌّ من اسمك؛ وكان لتردُّدي تلك الإيام على صديقي توفيق بن سعيد الصّائغ أثرٌ كذلك في اختيار الاسم. ذلك أنَّه كان للصّائغ لسانٌ ساحرٌ، يأخذ حديثُه بالألباب، وأوتي مزمارًا من مزامير آل داود، رخامةُ صوتٍ وخشوعُ تلاوةٍ، تشعر فيها أنه يُعالج العبرة، ويدافع الدّمعة، فيُغلب. وهو خطيبٌ مفوَّهٌ إذا ارتقى أعواد المنابر؛ أمسك بأزِمَّة البيان، وأخذ بمجامع القلوب. ثمّ هو طالب علمٍ له عناية بالغة بالفقه المالكي.

وكان إلى ذلك كلّه صاحب تَنَدُّر (طَقْطَقَة)؛ إذا مدّ لسانه في التَّندر بأحد جلسائه الأصفياء لم يترك فيه ممَّا يُتندر منه شاردة ولا واردة، وهذه صفة لا تكون إلَّا في الأذكياء. ولا يكون كذلك إلَّا مَن كان في النَّاس ذا بديهةٍ حاضرةٍ. وتوفيق الصّائغ كأنُّه خُلِق صاحبَ طُرفة وفُكاهةٍ ونادِرة. الطُّرفة حاضرةٌ دومًا في ذهنه وعلى طرف لسانه؛ مرّة كنتُ معه في القاهرة، فدخل علينا في المجلس عائضٌ القرنيُّ، فأخذ يصافح الحضورَ وتوفيقٌ يقوم بتعريف الحاضرين له، فلمّا اقترب منّي، قال توفيقٌ: هذا عدنان السيامي، تايلانديّ، مسلم جديد!!

وأرجو يا ولدي ألَّا يكون حظُّك منه هذه الصّفة فقط، والتي أجدها تتمثَّل فيكَ بقوَّة يومًا بعد يوم، وحقيقةً لا أجدُ فيك ما يُذكِّرني به إلَّا هذه الصَّفة. غير أنَّي أرجو لك فوق ما كان له في العلم والفضل (والله واسع الفضل). وكانت لديَّ صورة قديمة تجمعكما؛ إذ قصدني ذات ليلة لأجل أن يراك، ووضعك في حجره، ودعا لك بالبركة والخير؛ ولم يتسنَ له أن يقوم بتحنيكك لأنَّ زيارته هذه تأخرت عن يوم سابعك، وتلك قصّة أخرى!!

لقد قام أبي (رحمه الله) بتحنيك أشقائك الثّلاثة، وشاء الله تبارك وتعالى أن تدخل عالمنا هذا وقد خرج منه قبل ذلك بأقلَّ من عام (25 ربيع الأول 1428)، فلمَّا حلّ يومُ سابعك؛ طلبتُ من أخي أبي عبد اللطيف فخر الدِّين أن يقوم بتحنيكك، فتفضَّل (جزاه الله خيرًا)، وقام بذلك.

وهذا سرُّ عناية أبي عبد اللطيف بهذه الجداريات، وبخاصَّة حين تتعلق بك، فهو يُدِّل بأبوته الرّوحية لك. والذي قد لا تعرفه عن أبي عبد اللّطيف أنَّه شيخٌ في القراءات العشرة، مجازٌ فيها من قِبل شيخه الشّيخ عبد الغفّار الدُّروبي من قُرّاء الشَّام، وله مزيدُ عنايةٍ بالفقه الشَّافعيّ. أمَّا الحديث الشّريف؛ فهو وثيقُ الصّلة به، تخصّص فيه تخصصًا أكاديميًا، وله في الأدب مداعبات ومراسلات، نَصَب بها شِراكه فحاز إلى رَحله مَهَاةً شرودًا، أسلس قيادها، وفاز بقلبها (الشيخ لما يبغى يصير رومانسي، يصير مرّة خطير).

دارت تلك الأيّام يا ولدي، وهاهي تسلمك لعامك الثالث عشر، وقد بدأتَ تتناولُ كثيرًا من الأمور بطريقة مختلفة، وإنّي لأرجو لك العافيةَ.

الإثنين 8 صفر – 7 أكتوبر

22 thoughts on “بدعةٌ عائليّة”

  1. هل راهق الحلم .. ؟
    وكأنني أنظر إليه وهو في حِجري .. أتأمل غرته ..
    ما شاء الله
    مضت الأيام سريعا .. لم تكبر على عيني وأنا عرَّابك ..
    لكن .. أبِيتُ أُمَنّي النّفسَ أنْ سَوْفَ نلتقي ..

    اللهم زد لتوفيق وإخوته توفيقا على توفيق
    وبارك لهم في حياتهم وأعمارهم .. واجمعهم جميعا في خير منزل ومستقر .. وفي أعلى عليين .. آمين.

  2. اللهم آمين،،
    مضت الأيّامُ سريعًا، وإنّ لكَ فيه كلّ حُسْن.
    بارك الله فيكم يا أبا عبد اللطيف،،

  3. عاش الوالد والمولود المحتفل به وبقية الاسرة في هناء وسعادة وترابط في كنف الحب والود والوئام… ويجمعكم ربي عما قريب…وماذلك ببعيد…ان شاء ربي وربكم ورب المخلوقات جميعها انه نعم المجيب في هذالصباح الفريد…..والوقت السعيد…وانه هو الذي يبدي ويعيد

    1. اللهم آمين،،
      شكرًا أخي الكريم أبا حسام على هذه الإطلالة الأولى الفخمة،،
      زادكم الله من فضله،،

  4. مع أني لم أرى توفيق (حفظه الله)
    إلا أني أجزم أن من يلقاه سيحبه من أول وهلة
    كيف لا وهو شبل ذاك الأسد..
    وعلاوة على ذلك تحنيك شيخنا له..

    بالتوفيق يا توفيق

    1. مرحبًا بك يا أبا أسامة،،
      إذا قررتَ يومًا زيارة بانكوك .. فإنه سيشرف باستقبالك.
      وبإمكانك رؤية صوره في (ذاكرة الجداريات).

  5. أن يخلّدك أمرؤٌ في حياته هذا التخليد ، أن يكون اسمك دائراً في بيته ملئ الحناجر = يدٌ لا توفيها يد
    توفيق .. كان والدي مبتدعاً لهذا الاسم في بيئته الأعجمية ، انتزعه لا ادري من أين
    كل ما أدريه ان الناس اقتدت به فسمى الناس توفيقاً من بعده وكان ذلك من التوفيق
    واني لأخال الاسم كذلك درةً في عالم الفطانيين وارجو ان يكون للغالي توفيق من اسمه اوفر الحظ والنصيب
    اتحفتنا عدنان برائق كلامك وكذلك تفعل دوما
    سلم اليراع ولا جف لك حبر ولا كسرت دواة

    1. تملك حضورًا مبهجًا أينما حللتَ يا أبا أنس،،
      تنتزع الحبّ، وتستخرج أحسن ما في النّفوس التي تقابلها أيًّا كانت مشاربُها.
      حفظك الله أيها الغالي، وبوركت حيثما توجّهت ركائبك،،

  6. من حبي الشيخ توفيق نسال الله ان يجعلها محبه في الله ولله…والذي دلني لصفحة الأستاذ الفاطني الماتعة ..

  7. يقول ابن القيم (فإن صاحب الاسم الحسن قد يستحي من اسمه وقد يحمله اسمه على فعل ما يناسبه وترك ما يضاده ؛ ولهذا ترى أكثر السفل أسماؤهم تناسبهم ، وأكثر العلية أسماؤهم تناسبهم) فتوفيق سيجد اثر اسمه الحسن عليه بحول الله تعالى..
    الظريف هنا أنني حضرت تلك الواقعة (مرّة كنتُ معه في القاهرة، فدخل علينا في المجلس عائضٌ القرنيُّ، فأخذ يصافح الحضورَ وتوفيقٌ يقوم بتعريف الحاضرين له، فلمّا اقترب منّي، قال توفيقٌ: هذا عدنان السيامي، تايلانديّ، مسلم جديد!!) ورأيت احتفاء الشيخ القرني بالمسلم الجديد، سائلا إياه عن الإسلام وحسنه هههههه والغريب أن المسلم الجديد أتقن الدور ههههه ولم يكن يجيب إلا تبسما.. وهنا لاحظ تغير وجه أبي أنس الشيخ توفق الصائغ فقال القرني: أنت تمزح!! لعبت علي يا أبا أنس أو كلمة نحوها!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *