ورقة صفراء

من أوائل الأحاديث العالقة في ذهني بيني وبين والدي (رحمه الله) حديثٌ جرى بينما كنتُ أستعد لامتحانات الصّف الثاني الابتدائي؛ إذ كان بين تلك الامتحانات الشّفوية بعض الامتحانات التحريرية مثل الإملاء، وكنتُ أعي تمامًا أنني يجب أن أكتب على ورقة الامتحانات اسمي كاملًا (عدنان أحمد السيامي)، فقال لي: هل تعلم أنّنا لسنا (سياميين)، وأنّ اللّقب الوحيد الذي يجب أن نفخر به، هو: الفطاني. إنَّ انتماءنا الجغرافي الحقيقي هو الانتماء إلى (فطاني). هذا هو خلاصة الحُوار، وليس ألفاظه.

علق هذا الحوار في ذاكرتي، فغدوت في اليوم التّالي إلى الفصل الدّراسي، وحين انتهيتُ من الامتحان؛ قدَّمتُ ورقتي، وفي رأسها (عدنان أحمد فطاني). وفي اليوم التَّالي انتحى بي أستاذي الأستاذ خالد باروم (رحمة الله عليه إن كان ميِّتًا)، وسألني: أنتَ عدنان السيامي أم عدنان فطاني؟ فقلتُ بفخر: أنا الاثنان. وحكيتُ له النقاط الرئيسة في حواري مع أبي، فنهرني بشدّة، وقال: انتماؤك الجغرافي شيء، واسمك المكتوب في هويتك شيءٌ آخر، الذي يهمني ألا تدوخني وتجعلني أقضي السّاعات الطوال أبحث في السجلات عن (عدنان فطاني).

درسٌ آخر تعلَّمتُه بكثير من الشّدَّة: أنّ الحقيقة لها أكثر من وجه، وأنّ الوجه الذي يجب أن ألتزم به هو أن أكون (عدنان السيامي)؛ لأنَّ موظفًا في إدارة الجوازات، نظر إلى جنسية والدي (سيامي)، فألصق به لقب (السيامي) دون استشارة ولا ركعتي استخارة.

ومن أثر هذه الحقائق في سنواتٍ مبكّرة من طفولتي أنني قضيتُ سنواتي الدّراسية وأنا أكتب على دفاتر (الكشكول)، وعلى طاولة الصّفوف (الماصات)، وعلى سراويلاتي البيضاء والرّياضية، وكنتُ حسن الخطِّ= كلمة (فطاني). نوعٌ من العبث العاطفي الذي لا أعرف معناه حتى اليوم، ولا أذكر متى تخلصتُ منه!!

يوم الأحد عادةً يوم مرهق ذهنيًّا بالنسبة لي، فلديَّ بعد صلاة الظهر كلمةٌ ألقيها على زملائي الموظفين في (مصلّى العمل)، وبعد المغرب درسٌ أسبوعيٌ في كتاب (عمدة الأحكام) ألقيه على طلبة المستوى الثّالث في (معهد أمّ القرى لتعليم القرآن والسُّنة)، وبين يديَّ مسودة كتاب الدّكتور عبد الله الطارقي (نفس واحدة) أعدُّه للطّباعة بعد المراجعة النّهائية.

فدعوني أنهي هذه الليلة بحديثٍ في الأدب الإنساني، قد تجدون فيه بعض المتّعة وبعض الفائدة:

الطائر السّاخر أو المقلِّد المحاكي طائرٌ بُني اللّون، لا يملك شخصية محددة في تغريداته، بل يحاكي الأصوات التي من حوله. يمثل هذا الطائر في حياتنا اليومية أولئك الذين يتأثرون بكل ما حولهم فيقلدونه؛ يقلدون بحّة إمام من أئمة الحرم، أو طقطقة أصابع المعلم، أو دندنة سائق الأجرة. باختصار إنهم الذين لا يمكن أن يُحسدوا على شيء، أو أن يُزاحَموا على شيء، أو أن يُحقدوا على شيء. إنّهم أولئك الذين إذا حضروا لم يشعر بهم أحد، وإن غابوا لم يفقدهم أحد= فلا شيء يُميِّزهم.

ولذلك يحارُ أيّ محقِّق جنائي في إيجاد الدَّافع لقتل أشخاص يوصفون بصفات الطَّائر السَّاخر؛ لأنَّه لا يمكن لمثله أن يثير غضب أحدٍ أو نقمته أو حسده، فهو لا يملك شيئًا، لا مال ولا جاه، ولا فكرة ولا ذاكرة.

المجتمع الأمريكي الأسود عانى من الاضطهاد والتمييز العنصري لعقودٍ طويلة، كانوا في المجتمع الأمريكي الرّأسمالي مثل العصافير السّاخرة يبحثون عن ملامح لهويتهم التّي يحاولون رسمها لمستقبلهم.

هاربر لي روائي أمريكي كتب معاناة هذه الفئة الاجتماعية المستضعفة في مجتمع وحشي متغوِّل لا يرحم= في روايته (لا تقتل عصفورًا ساخرًا)، والتي لم يكتب غيرها في حياته. فروايته تصنّف ضمن الروايات الواحدة التي لم ينشر مؤلفوها رواية غيرها في حياتهم الأدبية. ولكنها كانت كافية، بل أكثر من كافية لينالوا بها المجد الأدبي.

إنّها رواية سردية بامتياز على لسان طفلة في السّابعة من عمرها في لغتها وتفكيرها، إن أنتَ قرأتَ الرّواية، فستشعر من أوّل حروفها أنك تستمع إلى طفلتك الصّغيرة وهي تحكي أحداث يومها بكل تفاصيله.

تعطيك الرواية صورة بانورامية للحياة الأسرية في قرية صغيرة تمثل نموذجًا للمجتمع الأمريكي في الأربعينيات في تنوّع ثقافاته لتنوع العرقيات التي كوّنته، وحيث الألوان لا زالت غالبة مسيطرة على عقول الناس. فالأبيض أبيض وإن كان أقذر الناس حسًّا ومعنًى، والأسود أسود وإن كان أنظف الناس حسًّا ومعنًى.

ومن خلال هذه التعقيدات الاجتماعية من التفرقة العنصرية بين البيض وجميع الملونين، وتنوع الطوائف المسيحية التي تعيش في أمريكا= يبرز أناسٌ يريدون أن يصنعوا الخطوة الأولى نحو التغيير في ثلاثة أطفال يدفعهم أبٌ يتحمل دومًا عبء القيام بما هو حقّ نيابةً عن جميع أهل القرية. رغم ما يجرّ عليه وعلى أسرته من أذًى اجتماعيٍّ من أهل قريته.

تعلِّمنا هذه الرواية أيضًا: أنّك إزاء تصرّفات بعض الناس لا يمكن أن ترى الأمور على حقيقتها أو أن تفهمها تمامًا إلا إذا نظرت من زاوية أصحابها. فقد تكون مختلفةً كليةً من زاويتك التي تنظر إليها الآن.

وبالرّغم عمَّا ذكرتُه سابقًا من أنَّ الطَّائر السّاخر طائرٌ لا يستحقّ القتل؛ لأنَّه طائرٌ لا يُحتفل به= إلَّا أنَّ الاستخبارات الأمريكية جعلت منه شعارًا لها!!

الأحد 7 صفر – 6 أكتوبر

14 thoughts on “ورقة صفراء”

  1. رحم الله العم احمد كان حريصاً ان لا ينطبع ولده مع هذا الانتماء الورقي انطباعاً وانتماء نفسي وقلبي كما حصل مع البعض من الذين اتهجروا غصباً الى بانكوك وسكنوا المحمية في بدايات الاستعمار وكانوا فطانييون الأصل والمنشأ ولا يفقهون في لغة السياميين شيئ .. والآن احفادهم يفخرون بسياميتهم على اصلهم وبعضهم ينكرون هذا الأصل بتاتاً ،،
    عودة ابنائك الى ارض الجدود بلقب الأجداد والأصل نعمة عليهم وما يبقى الا ترسيخ المعنى والفهم لديهم فيسيرون على بركة من الله بفخر وعزة ..

    1. بوركت يا أبا أديب،
      نعم الصّديق أنتَ وعيًّا وتربيةً ووفاءً لأصلك وانتمائك.
      ومنكم تعلّمنا الشيء الكثير.
      فبارك الله لك في أهلك ومالك،،

  2. من أجمل ما يمكن أن يفخر به – من وجهة نظري- انتماؤه لأصله، على أن لا يصحب ذلك أمور جاهلية؛ كتأييد على باطل أو طمس للحق، ولا يكن لسان حاله قول القائل:
    وهل أنا إلا من غزية أن غوت غويت وأن ترشد غزية أرشد
    تحياتي القلبية

    1. لله ما أجمل إضافتك العلمية القيّمة يا أبا محمّد.
      سعيدٌ جدًّا بإثرائك العلمي لهذه الجدارية.
      تحياتي لك ولعائلتك الكريمة،،

  3. الله يرحمه ويغفر له. كان دائما يقول لي أنت لست بعربي لكني لم أكن اعي ما يقول تمام أو أني اريد التهرب من الواقع الحقيقي بأن اصلي من بلد بعيد عن الأرض التي ولدت فيها.

    الطائر الساخر… حينما تريد ان تنتمي وتكون لغير ما يقال عنك بكل حواسك خاصة وانت لديك البطاقة الرابحة غير الواقع في النهاية هي أنك لست منهم.

    كم أنا ممتن لوالدي حينما اصروا علي الخروج من دائرتي المغلقة. العالم اكبر واوسع وإختلاف الثقافات سبب للتقارب لا لتباعد. وكم من عادة كنت ارددها كالببغاء حتى اصدم بعدم مصداقية وصلاح مصدرها.

    جزاك الله خير واثبتك على الحق

  4. من انكر اصله كمن فقد هويته شكرا يااباسفيان لهذا التوضيح واحيي فيك افتخارك لاصلنا الفطاني … وفقك الله وسدد خطاك

  5. – طبيعة المنشأ ..
    – مواكبة من حولك في المجتمع ..
    – حب المشاهير وتقليدهم ..
    – الاعتزاز بألبسة معينة .. وهيئة معينة..
    – بُعدك عن لغتك الأصل وعدم الاهتمام بها ..
    – وربما بعض الأوراق الرسمية ..

    هذه وغيرها .. تجعلك -يا توفيق- تبتعد شيئا فشيئا عن الأصل والجذور .. شعرت أم لم تشعر .. نسيت ذلك أم تناسيته ..
    لكن عندما تأخذ مِمَّن تعاشرهم طباعهم الأسوء .. أو عاداتهم المخالفة لدينك والفطرة .. أو تظن أنك رأيت فيهم ما لم تره في أمتك وأهلك تحسبهم أنهم بذلك تفوَّقوا عليك .. كعِرق أو عادة أو طباع لم يرفعه الشرع ولم يقدِّمه ..
    واستحسنته هكذا كالطائر الساخر ثم تسعى لتقليدهم ..
    هنا وجب على أبيك أن ينبهك يا توفيق ..
    هو لم يذكِّرك بأصلك لتتعزى بعزاء الجاهلية كما يقول أبو محمد ..
    بل يريدك أن لا تشعر بعقدة النقص والدونية ..
    فأنت لك أصل يجب أن تعتز به .. ونسب حُقَّ لك أن تفتخر به .. ولكن أيضا: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه).

    1. أشعرُ أنّ الوقت قد حان لأحكي لتوفيق قصتك معه في التّدوينة القادمة.
      شكرًا أبا عبد اللطيف، لا حرمني الله من صدق إخوّتك،،

  6. إرجع إلى تاريخ الحرم المكي ( مكة، المكرمة) أعزها الله
    ارجع إلى تاريخ الفطانيين في مكة، والحجاز
    إقرأ عن تاريخ الفطاني في منطقة جنوب شرق آسيا
    سوف تعرف بأن المرحوم الحاج أحمد ساموء لم يخطئ ولابحرف من الكلمة التي ألقاها لك ولسوف تجد عبارته كانت عبارة تتمثل في إيجاز قصر في جمله وعبارته :…..” وأنّ اللّقب الوحيد الذي يجب أن نفخر به، هو: الفطاني.”
    هذه العبارة – كما حكيتها انت – إذا أردت أن تشرحها أو تفسرها لسوف لاتكفيك الوريقات بل تحتاج إلى مؤلف أو مؤلفين على الأقل.
    الله يرحم الحاج أراد أن يسلم لك الثروة الحقيقية لك بأوجز عبارة قالها…لمستمع يعرف متى يستخرج هذه الثروة بعد اختزاله واختزانه فأعطى -الله يرحمه- لواحد مسئول مرهف الحس والعاطفة يحسن التصرف وهذه أمانة سلمه للجيل الذي بعده…ونعم الجيل ونعم المستمع وهو أبو سفيان المكي الفطاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *