إبادة الذّاكرة

تذكر كتب تراجم وسير العلماء: أنّ الإمام أبا نُعيم الفضل بن دُكين، جيء به إلى الخليفة العباسي الثامن المعتصم بالله في فتنة القول بخلق القرآن، ساقوه من الكوفة إلى بغداد، والإمام أحمد ابن حنبل في ذلك الوقت يُعذَّب في سجون المعتصم، فأرادوه أن يوافقهم على القول بخلق القرآن، فقطع زِرًّا من قمصيه، وقال: عنقي أهونُ عليَّ من زِرّ قميصي هذا. ثم تقدَّم ليضربوا عنقه، وقال: حتى يعلم الذين يأتون من بعدنا أنَّ هذا الأمرَ سالت فيه دماء!!

إنّها -يا أبنائي- الأمانة العلمية التي كانت مُلقاةً على أعناق العلماء، لقد عرفوا (وهم ورثة الأنبياء) أنَّ عليهم أن يحافظوا على المحجّة البيضاء نقيَّةً ليلُها كنهارها، وأن يورِّثوها كذلك لمن بعدهم، وسالت دماؤهم في هذا الأمر.

وإنَّ نسيان هذه التّضحيات= خيانةٌ لتلك الدّماء الزّكية التي أُريقت في الحقّ.

وإنّ في ذاكرة الثقافة الإسلامية المعاصرة تضحيات ودماء يجب ألَّا تُنسى؛ فعندما قامت دولة الكيان الصُّهيوني قبل أكثر من سبعين عاما= سالت دماءٌ زكيةٌ على أراضي فلسطين المحتلّة لشيوخ ورجال ونساء وأطفال، ارتُكبت فيها المجازر، أحرقت قرًى بأكملها، ومسحت قرًى عن بكرة أبيها عن وجه الأرض، وسالت دِماءُ العذارى على تلك الأراضي الطّاهرة، وهُجّر آلاف الفلسطينيين عبر الصّحراء فماتوا عطشًا وجفافًا، والعالم الدّولي كلّه يشاهد.

الحركة الصّهيونية حركة سياسية، وليست حركة دينية، ولكنها صبغت مبادئها بصبغة توراتية تلمودية؛ إذ وظَّفوا نصوص العهد القديم (التوراة) في سبيل حركتهم، حرَّفها لهم حاخاماتهم خدمةً للمشروع الصّهيوني.

واستطاعوا أن ينجحوا في احتلال الأرض عن طريق (إبادة الجنس) أي الجنس الفلسطيني من أرض فلسطين، وإحلال اليهود مكانهم. ومارسوا كل وسائل (إبادة الجنس): التّطهير العرقي (الإبادة الجماعية)، والتّرحيل، وإبادة الذَّاكرة.

وكلّ ما ذكرته من صور الجرائم والمجازر التي ارتكبت بحقّ الفلسطينيين هي من أثر هذه الوسائل الثلاثة. ولكن أخطر تلك الوسائل هي إبادة الذّاكرة، والتي لم ينجحوا فيها (والحمد لله). والمقصود بإبادة الذّاكرة: نزعُ هوية أمَّة من الأمم، وقطع صلتها بماضيها، وصياغة مستقبل جديد لها.

وتكمن خطورة (إبادة الذّاكرة) أنَّ الدّماء التي أريقت على أراضي فلسطين= تصبح بلا معنًى، وتغدو تلك التّضحيات لا قيمة لها. فلم يعد لشيءٍ اسمه فلسطين وجود، ولا لأهله ثقافة تثبت أحقيته في هذه الأرض، وأنَّ له هويةً وكيانًا مستقلًّا، يعبّر عنه بأنّه مختلف عن الصّهيوني المغتصب.

إنّ في الذّاكرة الفلسطينية أدبًا خالدًا شعرًا ونثرًا، بطولات ونكبات، آمالًا وخيبات، وإنَّ من خيانة هذا الأدب= أن يُنسى، ليس من ذاكرة الفلسطينيين فحسب، بل من ذاكرة الأمّة العربية والإسلامية.

تاريخُ اليوم لا يُذكِّر بالقضية الفلسطينية، ولكن الحديث عنها هو أثرٌ من آثار فراغي من قراءة كتاب (الجريمة المقدسة-الإبادة الجماعية أيدلوجيا الكتاب العبري إلى المشروع الصهيوني) للدكتور عصام سخنيني، والذي صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-الدوحة.

وإنَّ ممّا يُذكر في هذا الباب أنّ (إبادة الذّاكرة) من أكثر الأساليب التي استخدمتها دول الاستعمار في حقّ الشّعوب المستعمَرة، عملوا على نزع تلك الشّعوب من هويتها وثقافتها، وكانت البوابة التي تلج إليهم منها: اللغة؛ لأنّها الوعاء الذي يحفظ ثقافة الشّعوب المستعمَرة.

فحوربت اللغة العربية بالفرنسية في بلاد المغرب، والإنجليزية في مصر، وحوربت لغة الملايو في فطاني بالسيامية.

نعم، إنَّ في ذاكرة التَّاريخ أنَّ الشّعب الفطاني عانى من محاولة إبادة ذاكرته، ولقد أُريد على لغته، ولكن تلك المحاولات فشلت، وبقي الشّعب الفطاني مسلمًا محافظًا على هويته الإسلامية، وبفضل صمود أولئك الفطانيِّين (بتثبيت الله لهم) لا زال حبل الإسلام ممدودًا فينا اليوم.

ألا وإنّ نسيان الذاكرة الفطانية يا أبنائي= هو خيانة لتلك الدّماء التي سالت على أراضي فطاني، ونزع كلّ معنًى لها، وكأننا نقول لأولئك الذين استشهدوا دفاعًا عن ترابها، وسالت دماؤهم أنهارًا في وِدْيانها: مَن أنتم؟

السبت 6 صفر – 5 أكتوبر

12 thoughts on “إبادة الذّاكرة”

  1. من هو أبوكم يا أبنائي ؟
    هل هو ذلك الرجل .. السيد الكادح الذي يعمل ليله ونهاره على إعاله أهله ..؟
    أم ذلك الشخص العطوف الذي يلاطف أبناءه ويداعبهم ..؟ ولا تعجزه الحِيل ليصل إليكم وهو ناء عنكم ..
    أم هو لكم صاحب الرأي والمشورة في مشوار حيواتكم المختلفة ..؟
    أم هو جماع ذلك كله .. ترونه بقلوبكم قبل أعينكم ..؟
    هو الآن ينبهكم لأمر مهم .. هل تدرون ما هو؟

    تذكرون ما كان يقول والدكم من أنه رجل صنعته الحكايات ..؟ كل الحكايات ..؟
    هذه هي الحكايات التي صنعته .. عرف بها هويته .. ولم يرد منكم أن تنسوها ..
    رجل يحمل همَّ دينه .. وأحوال أمته .. يحزن لضعفها .. ويؤرقه شتاتها .. ويعمل على رفعتها ووحدتها .. تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بالقلم ..
    فإن قرأتم التاريخ وحكاياته فلابد أن يكون فيكم شبه بأبيكم .. ومن شابه أباه فما ظلم ..

    أبنائي ..
    يخبرنا التاريخ أن الحضارات تفنى لكن الحكايات تبقى ..
    تبقى .. لِتذكِّرك بماضيك .. وكيف تعمل لحاضرك .. وكيف ستستشرف لمستقبلك ..
    لكن تذكروا دائما أن الإسلام لكم دين وهوية ..

    1. أنا ممتنٌ لكل حرف كتبته وتكتبه يا أبا عبد اللطيف،،
      اللهم اجعلني خيرًا ممَّا يظنون، واغفر لي ولهم ما لا يعلمون،

  2. اتمني المحافظه علي التألق وهذا لايتأتي الا بالاستمرار في الاطلاع والبحث عن كل مايفيد الاسلام والعباد

  3. إلى الآن وأنا أعاتب نفسي أني ما اتقنت الملايو مع إن كل الفرص كانت متاحة لي قبل وانا صغير.
    بسبب العنصرية وعدم فهمي للواقع الحقيقي بأن إتقاني للغة ثانية يعني فرصة اكبر لي في حياتي.
    كان عذري وإصراري بعدم إتقانها مع اني كنت افهم معظم الكلام، هو حتى أستطيع أنا اقول لزملائي واي شخص اقابله بأني بالفعل لا أتحدث اللغة وأني عربي اصيل.

    جزاك الله خير

    1. كلنا كنّا ذلك الطّفل الصّغير يا ولدي،
      أتمنى أن تتمكن من تعليم أبنائك اللغة العربية،
      كما أتمنى أن أشمهم يومًا ما، وأضمّهم إلى صدري.
      الله يحفظك يا ولدي، أنت وعائلتك الكريمة،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *