الحياة العادية

وُلِد السيد “عادي” في أسرة “عادية”، ونشأ نشأة “عادية”، دخل مدرسة “عادية”، وكان أداؤه فيها “عاديًّا”، انتقل إلى ثانوية “عادية”، ذات مدرسين “عاديين”، ومناهج “عادية”، وكان أداؤه “عاديًّا”، تمّ قبوله في كلية “عادية”، في تخصص “عادي”، ومناهجهم “عادية”، وأساتذتهم “عاديين”، وتخرج بمعدل “عادي”، حصل السيد “عادي” على وظيفة “عادية”، في جهة “عادية”، وكان أداؤه “عاديًّا”، تزوج السيد “عادي” فتاة “عادية”، ورزق منها بأولاد “عاديين”، وتربيتهم كانت “عادية”، ترقى السيد “عادي” بالأقدمية “العادية”، حتى وصل الى التقاعد بطريقة “عادية”، عاش السيد “عادي باقي” عمره حياة “عادية”، وأخيرًا مات السيد “عادي” موتة “عادية”!!!. لكن بوفاته انتهت سيرته.

لا أدري من كتب قصّة الأستاذ عادي، فقد وجدتُها منتشرة في مجموعات (الواتس آب)، ولكني رأيتُ أنَّ حياة الأستاذ عادي؛ ليست عادية أبدًا، بل حياة مليئة بالإنجازات الرّائعة، نجاحات منتظمة في عقد بديع. شخص ناجح في كل مراحل حياته، درس تخرّج توظّف تزوّج أنجب ربّى ترقّى تقاعد، توفي، وأقبل على ربّه وقد اجتهد غاية جهده في أن يكون جزءًا فاعلًا في مجتمعه.

ثمّ رأيتُ الكاتبَ علّق عليها بقوله:

إذا كُنتُم ضحكتم على قصة السيد عادي، فالتقديرات تشير إلى أن ٩٨٪ من البشر حياتهم تشابه قصة السيد عادي. وأن ٢٪ فقط هم السيد ((متميز)) والسيدة ((متميزة)) !!، حتى إذا ماتوا .. فإن ذكراهم بين الناس حي. وما يزال الناس تدعو لهم بالرحمة والمغفرة والدرجات العالية في الجنة، فهل أنت من النوع العادي، أم حقًا من النوع المتميز ؟!، أرجو الإجابة بصدق! غيِّر مقدماتك .. تتغير نتائجك (إنَّ الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). صباحكم تغيير للأفضل.

ليس هناك إخفاق واحد في حياة الأستاذ عادي، يستحقّ عليها (أيها الكاتب المجهول) أن تقلل من إنجازاته، وتستخفّ به، بل هو رجلٌ عظيم في عين زوجه وأبنائه ومجتمعه؛ إذ قام عليهم، وحفظهم من الفاقة والحاجة. وآواهم، وضمّهم، ورعاهم، ولم يكن في أبنائه من فشل في حياته، أو انحرف عن مجتمعه. أليست هذه إنجازات عظيمة!!

ثم من قال لك: إنّ الأستاذ عاديًّا حين مات؛ انتهت حياته؟!

ألم يكن له أبناء صالحون رباهم تربيةً صالحة (وإن كانت عادية في نظرك)، فعلمهم الصّلاة، واحترام الناس، وحفظ حقوق المسلمين، فذكره الحسن سارٍ في ألسنة أبنائه، يترحمون عليه، وصحيفة أعماله الصّالحة منشورة لم تطوَ بموته، تسجل فيها دعوات أبنائه وأعمال البرّ التي يهدونها لوالدهم السّيد عاديّ. وذكره الحسن باقٍ في جيرانه وأصدقائه ومعارفه بأنّه رجلٌ عاشرهم بالمعروف (ابن حلال حاله حال نفسه)، وحفظ لهم حقوقهم، وكفّ عنهم أذاه.

لديَّ قصةٌ قريبةٌ من قصَّة الأستاذ عادي، ولكنها من واقع الحياة: فأعرفُ صديقًا عزيزًا أخصُّه بصادق المودَّة، زاملني في العمل (مشروع تعظيم البلد الحرام) لأكثر من عشر سنوات، يصنع لي قهوةً مُرَّة كل صباح، ويقدِّمها لي بابتسامة صادقة، وأبادله مثلها وأنا ممتنٌّ غاية الامتنان لهذه القهوة الصّباحية.

صديقي هذا اسمه شمس العالم، ويُكنى بأبي سعيد، وهو مغتربٌ من أبناء بنغلاديش. يقوم على عائلته الصّغيرة التي أذكر منها سعيد في المرحلة الجامعية، وابن آخر أتّم حفظ القرآن الكريم، وابنة صغيرة شديدة التّعلق به، وزوجه التي تقوم في غيابه بدور الأب والأم معًا.

أتأمّل حياة أبي سعيد فأجده رجلًا عظيمًا في عين أبنائه، وفي عين الحقيقة. فقد استطاع بعرقه وجهده وتحمّله للغربة أن يجعل العالمَ مكانًا أجمل لأبنائه، وهذا كله (ولا شكّ) بعد توفيق الله له. ثم هو جزء من منظومة قيمية اجتماعية (مشروع تعظيم البلد الحرام)، يُشارك هذه المنظومة كل إنجازاتها ونجاحاتها، لا يمكن لأحدٍ أن يُقلّل من دوره فيها.

إنَّ حياة صديقي أبي سعيد ليست عاديةً أبدًا، بل هي حياة عظيمة، مليئة بالإنجازات، وكم من قصص عظيمةٍ في الحياة= لا يدري العالمُ بها، ولكنّ الله تعالى يعلمها.

فليس الذِّكر في النَّاس هو دليل التَّميّز، فكم من عظماء ومتميّزين لم يدرِ بهم أحدٌ من النَّاس، وحين ذُكِرَ لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أسماء الذين استشهدوا في إحدى المعارك، قال: وقِتل مثلُهم كثير، لا يعلمهم عمر، وما ضرَّهم ألّا يعلمهم عمر، إن كان ربُّ عمر يعلمهم.

ثمّ أليس هؤلاء المتميّزون في زعم الكاتب= نتاج مجتمع عادي، أليسوا أبناء رجال عاديين، من الذي يذكر ما اسم والدة الإمام مالك؟ أو والدة الإمام الشَّافعي؟ أو والدة الإمام أحمد؟ ومن قبلهم والدة الإمام أبي حنيفة؟ أذكر هؤلاء لأنّهم نماذج معروفة عند عامَّة النّاس العاديين. ومَن الذي حين يترّحم على أحدٍ من هؤلاء العلماء؛ يترحّم على آبائهم أو يذكرهم ذِكرًا؟= فهل نقول: إنّ حياة آبائهم وأمّهاتهم كانت عادية، ليس فيها إنجاز.

يا سيدي، إنّ أعظم إنجازاتهم هو هذا الإمام الخالد الذِّكر، الذي طافت مآثره الشّرق والغرب. على أنَّ هؤلاء الأئمة أنفسهم كانوا يتمنون أن لو عاشوا في النَّاس حياةً عاديةً، لم يدرِ بهم أحد، فقد كان الإمام الشّافعي يتمنى أن يتعلَّم النَّاسُ ما في كتبه من علم، وألَّا يُنسب إليه منها حرفٌ واحدٌ، وهو خلاف ما يدعو إليه الكاتب.

لم أجد استخفافًا بإنجازات الوالدين، ودورهما في تربية النشء مثل ما جاء في (قصة الأستاذ عادي)، والتي كتبها مجهولٌ، غير أنَّي قد أعذر النَّاقل لما للعبارة الرَّنَّانة أحيانًا من بهرج.

ولذلك يا أبنائي حين كتبتُ في هذه المدوّنة (نبذة تعريفية) عن نفسي؛ ذكرتُ أن رصيدي في الحياة= هو أنتم، أنتم أعظم إنجازاتي (حفظكم الله). واعلموا أنّ هذه التدوينة ليست في ذمّ الهمم العالية، والسّعي إلى اكتساب المعالي، وطلب الفضائل، ولكنها في ذمّ مَن لا يراقبون الله في إنجازاتهم، ولا يقدِّرون إنجازات غيرهم.

وإنِّي أرجو أن تقفوا عند قصّة أبي سعيد شمس العالم، وتعرفوا أنَّ حياة العُمّال الكادحين ليست حياةً عادية خالية من الإنجازات، بل قد تكون عظيمةً جدًّا، فيها من معاني الكرامة والكفاح والعفّة وعزّة النَّفس والشّرف ما يستحق أن يُروى ويُحكى.

الجمعة 5 صفر – 4 أكتوبر

29 thoughts on “الحياة العادية”

  1. لا تعليق…. وسيظهر بين كل فترة وفترة اديب او شاعر او مؤلف او مفتي…. بأفكار وإحاءات تعاكس حياتنا…. لان كل جيل يختلف عن جيل…. هذي دورة الحياة

  2. الله يحفظك ويطول في عمرك. الله يغفر له ويرحمه إن لم يخب عني الذاكرة اكاد لم اذكره من غير إبتسامته في كل الأوقات.

    1. أظن أنّه كذلك يا أبا إسحاق،،
      سعيدٌ بمتابعك لهذه الجداريات، الله يحفظك أنت وعائلتك الكريمة.

      1. سلمت أناملك يا ابا سفيان ،، اطلب من الله الهداية لابنائنا وبناتنا ويلهمهم ويوقنوا ان كل أب عظيم في نظر ابنائهم مهما يكون طالما يكافح لأجلهم ونحن لا نختار ابائنا وأمهاتنا ..

  3. جميل جدا
    وأضيف أن التميز يتباين في نظر الناس؛ فقد يظن أحدهم أن هذا عمل متميز؛ لأن له أثرا متميزا في المجتمع، بينما يرا آخر أمرا عاديا، بل قد يراه أمرا سيئا ضارا! وما هذا الاختلاف إلا لاختلاف نظرة الناس للأمور من منطلقات فكرية واجتماعية.
    لا زال إبداعك يلقي بظلاله على من يقرأ كتاباتك يا دكتور عدنان.
    رعتك عين الله وأسرتك الكريمة يا صديقي العزيز.

    1. متميّز دومًا يا أبا محمد بإضافاتك الجميلة الرائعة.
      أنت صاحب تجربة صادقة، أتمنى أن يستفيد منها أبنائي.

  4. بارك الله فيك يادكتور عدنان
    اختيارك للمفردات كان موفقا وسلاسة الموضوع زاد الاطلاله رونقا وجمالا

    1. الله يبارك فيك يا أبا ثامر،،
      وأعتزّ بهذه الشّهادة، وهو بعض ما عندكم يا غالي.
      شكرًا أبا ثامر على هذه الإطلالة الفخمة.
      دمتم بخير،،

    1. كان رجلًا وكان عظيمًا،،
      وإنَّها حقًّا ميتةٌ تُشترى،
      ما أعظمها من كلمة عزاء ملهِمة،
      أحسن الله عاقبتنا،،
      شكرًا فخرو ..
      كن جميلًا دومًا،،

  5. لا يضرك أن تكون في نظر الناس عاديا
    المهم أن تكون متميزا عند رب الناس
    (من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)

    لا فض فوك يا أباسفيان

  6. بارك الله فيك وفي قلمك الموفق يا دكتور عدنان.

    قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
    إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

    اللهم أصلح ذرياتنا وذريات ذرياتنا وذريات ذريات ذرياتنا إلى قيام الساعة..
    اللهم اجعلهم من عبادك الصالحين المصلحين ..
    اللهم انفع بهم أمة سيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام)

    1. اللهم آمين،،
      جزاكم الله خيرًا يا بروفيسور آصف،،
      شاكرٌ لكم هذه الإطلالة الفخمة يا أبا عمّار.

    1. شرفٌ كبيرٌ لي يا أبا فايز، أن أحظى بمتابعة قارئ في حجم وعيّك،،
      شاكرٌ لك هذه المصافحة الكريمة، والله يرعاكم،،

  7. ربي يسعدك ويعطيك الصحة والعافية وطول العمر…
    نحن رصيدك في الحياة نحن إستثمارك طويل المدى
    إستثمارك في تعليمنا وتربيتنا وتلبية طلباتنا وإسعادنا
    الله يصبرك وتشوف نتائج إستثمارك وتسترد الأرباح
    عسى ربي يسعدك ويجزاك كل خير ويدخلك الجنة يا رب
    وحشتنا جلستك وضحكتك … ربي يجمعنا على خير قريب

    1. الله يحميكم جميعًا، ويوفقكم، ويبارك فيكم، ويجمع قلوبكم، ولا يفرّقها.
      وينفع بكم وبعلمكم الأمّة الإسلامية.

  8. رحمك ياشيخ كيات
    عشت عاديا في الدنيا
    ومميزا في وفاتك
    اسال الله ان يجعلك مع اميز خلق الله واحسنهم خَلقاً وخُلقا سيدنا وشفيعنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

  9. المؤمن الذي يعمل الصالحات يؤدي حقوق الله وحقوق العباد حياته ليست عادية أبدا بل هي إنجازات عظيمة يرفعه الله بها أعلى الدرجات
    أحسنت في اختيار الموضوع وأجدت في توضيح الفكرة
    بارك الله فيك يا أستاذنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *