الدفتر الأزرق

أشعر أنّ هناك اتّصالًا قويًّا بين القراءة والكتابة .. فإذا كنتُ على وفاق مع القراءة اليومية يكون القلمُ على وفاق معي، فأجده سهلًا ليّنًا طيِّعًا. ولستُ حقيقة في الأيّام الأخيرة على وفاق مع القراءة، منصرفٌ عنه لشأنٍ آخر, ولذلك سألجأ إلى الأوراق القديمة التي في دفاتري أو في فضاءاتي ممّا يصلح أن نعيد قراءته معًا.

كلّ شيء في هذا الكون متّصل بشيء آخر أو أشياء أخرى، أو يسعى إلى الاتصال بحثًا عن نفسه أو عمّن يحقق له كماله. وهو في هذا الاتصال والسّعي يكتب قصته التي تستحق أن تُروى، وأن يُستمع إليها.

هذا هو الكون ذو الطّبيعة الغنية بالأسرار التي تنتظر من يكتشفها، ويروي للنَّاس قصصها. ولكي تستمع للطَّبيعة تحتاج أن تكون راهبًا تطيل المكث تحت شجرة بوذا، وأن تطلق حواسّك فيها لتستمع إلى حكاياتها .. خرير الماء، وأنفاس الأزهار، ودبيب الحشرات.

قبل أربع سنوات تعرّفت على الأديب التُّركي الرّاحل (صلاح الدّين علي) من خلال روايته التي نشرها قبل أكثر من 60 عامًا (مادونا صاحبة معطف الفرو).

هذه الرِّواية ذات السّرد الطّويل القويّ المتتابع قائمة على فصلين؛ الأوّل منهما يتحدَّث عن هذه الفلسفة. فلسفة اتّصال الأشياء من حولنا، وترابطها، وسعيها في تحقيق الكمال الذّاتي لها، لتكمل صورة الحياة على الأرض.

يجري فيها لسان الرّاوي عن بطل القصّة في أخريات حياته شيخٌ مريض بداء الرِّئة يجاور مكتبه في بنكٍ من بنوك أنقرة، وكيف سعى لأن يتّصل به، ويتعرّف عليه، مُدركًا في لحظةٍ من لحظات اتّصالهما اليوميّ أنّ لهذا الشّيخ قصةً تستحق أن تُروى، هي جزءٌ من دورة هذه الحياة.

وفي الفصل الثّاني يروي البطل من خلال دفتر يومياته قصّة لوحة زييتيه (بورتريه) وقف عليها في متحف برلين وُقِّعت باسم (مادونا صاحبة معطف الفرو)، وكيف اتّصل قلبه بهذه اللّوحة؛ حيث وجد فيها نفسَه وقلبَه.

مادونا صاحبة معطف الفرو كان لها في الحبّ حكاية بائسة، فقد أمضت حياتها تهرب منه، وفي خاتمة حياتها أدركت أنّه ما كان عليها أن تهرب منه، بل كان عليها فقط: أن تؤمن به.

رواية تتصلّ بك بعد قراءتها، ولا تغادرك أبدًا، تتحول جزءًا من ذاتك، وتتردد أبدًا في أنفاسك. على الأقلّ هذه الرّواية تركت هذا الأثر في نفسي، رأيتُ فيها كيف أنّ الجسم يبلى ويفنى، ولكن الحبّ لا يموت، حلاوته لا تذوب، ومرارته لا تُنسى، وجذوته لا تنطفئ، وبخاصّة إذا كان الذي فرّق بينهما شيءٌ غيرُ الخيانة، شيءٌ يستمدّ قوّته من القدر.

أجد في بعض القصاصات القديمة التي كتبت عليها بعض الأفكار .. أهميّة، ولذلك حين لا أجد شيئًا ممّا يستحقّ ذكره من أحداث يومي، سوف أنظر في تلك القصاصات القديمة، وأنتقي منها ما يستحق إعادة كتابته. ولقد حاولت فيما مضى أن أجمع بعض القصاصات التي نشرتها في أماكن متفرقة من مجلات وصحف دورية ومواقع إلكترونية، وضممتُها في ملف أسميته (الدفتر الأزرق)، ولكني فقدتُ الملف، وفقدتُ معه كل تلك القصاصات.

ولهذا الاسم قصة حدثت عام 1420 على وجه التقريب، ولا بأس من ذكرها لأنّ فيها عبرة، وفيها ذِكْرُ عادة قديمة لا زالت تلازمني، فاسمعوها:

كان هناك شابٌ فطنِ اسمه طاهر بن أبي بكر الأنصاري، من بيت علم وفضل، وكان له عناية بالأدب، فكان يجمع كتاباته في موضوعاتٍ شتّى في دفتر صغير أنيق جميل، وكان أزرق اللّون.

وكان شديد الحفاوة بما كتب، شديد العناية به، لا يطلع عليه إلا خاصّته، وكلّهم كانوا يثنون على حرفه، ولكنه أراد رأيًّا من خارج هؤلاء الخاصّة الذين قد يكون لصلتهم أثرٌ في ثنائهم ومدحهم. فاستشارهم فأشاروا عليه بأن يعرضه عليَّ، لا لشيءٍ إلَّا لأني كنتُ كذلك قريبًا من هؤلاء الخاصّة، وكانوا يظنون أنّ لي عناية خاصّة بالأدب، والحقيقة: أنّ عنايتي بالأدب جاءت متأخرة من أثر عملي الوظيفي في زمن مبكّر في مجال البحث العلمي، ففي البحث العلمي اتّصلتُ بعددٍ من طلبة العلم والعلماء والمشايخ الذين كان لهم عناية كبيرة بالأدب، فصرتُ أتتبع الكتب الأدبية التي ترد أسماؤها في مجالسهم، وأتتبع نتاج أولئك الأعلام الذين يأتون على ذكرهم، ومِن ثَمَّ صارت لي عناية بالأدب.

الخُلاصة: أنّ طاهرًا أخذ برأيهم، فحمل إليَّ دفتره الأزرق، وقصدني في مسجد الحيّ في صلاة العصر، فأعطاني دفتره، وطلب مني أن أقرأه، وأكتب ملحوظاتي عليه. فوافقتُ دون ترددٍ لشيء واحد، وهو أني أعرف طاهرًا، وأعرف نجابته وذكاءه، وكنتُ شديد الإعجاب بملكاته العلمية. فكنتُ واثقًا أني سوف أجد في دفتره الأزرق الكثير من المتعة والفائدة.

حملتُ دفتره الأزرق بين كتبي، وركبت سيارتي، وذهبت إلى صديقي أبي عبد الله شكري سليمان، وكانت تلك السّاعة التي ركبتُ فيها سيارتي آخر عهدي بالدفتر الأزرق. لم أتذكره إلَّا عندما أويتُ إلى فراشي، فقمتُ وبحثتُ عنه بين كتبي وأوراقي، وفي أرجاء مكتبتي، فلم أجده. نزلتُ إلى السّيارة، وفتّشتُ مقاعدها شبرًا شبرًا، أعلاها وأسفلها، وجوانبها، وزواياها، فلم أجده. اتّصلت بأبي عبد الله وسألته عن دفتر أزرق صغير به مقالات بخط مغربي (الخطوط المغربية سيئة)، فلم يجده. ذهبتُ إليه في اليوم التّالي أبحث في كل الأماكن التي أظنّ أني جلستُ فيها، فلم أجده.

سلامٌ عليك أيّها الدّفتر الأزرق، ولا عزاء لأخي طاهر الأنصاريّ، إلَّا أنه اليوم صاحب قلم لا يُمترى في حسن بيانه، وجمال حرفه. ولا أدلَّ على ذلك من أنَّ (مشروع تعظيم البلد الحرام) قد استعان به في كتابة حلقات إذاعية، أذاعتها إذاعة (نداء الإسلام) في شهر رمضان المبارك قبل سنتين.

ولعلّ الله أراد به خيرًا فلم أقرأ له مقالاته الأولى؛ لأنَّ نقدي -يومها- لن يخلو من شدّة، وهو رجلٌ رقيقٌ حسّاسٌ، فكان بحاجة إلى بداية جديدة، وقطع الصّلة تمامًا بالتجربة القديمة.

الله أعلم بحقيقة الأمر، ولكنَّ الذي أنا متيقنٌ منه: أنَّ تدبيرَ الله تعالى للنّاس خيرٌ من تدبيرهم لأنفسهم، وما كان أخي طاهرٌ يريد أن يصل إليه= تمَّ له بحمد الله وفضله، دون أن يكون لي عليه منّة ولا فضلٌ. زاده الله من فضله.

وما زالت هذه العادة (أعني: فقدان الأشياء) تلزمني، ولذلك لا أحبّ السّفر بحقائب اليد الصّغيرة، والتّجول بها في المطارات؛ لأني أخشى فقدانها.

الخميس 4 صفر – 3 أكتوبر

12 thoughts on “الدفتر الأزرق”

  1. تحيه طيبة اخي د/ عدنان… أجد في قرأة اوراقك بعض المتعة وبعض التساؤلات…. لماذا ذكرت شجرة بوزا … هل تقصد أن مراحل التأمل للرهبان مثل بوزا….. وهل بسبب هذا الدفتر الخاص بلانصاري….. وعندي لك مقترح انت مبدع في الأدب بحكم عملك او….. فلماذا لا تبدء بكتابة قصص قصيرة هادفة بنمط مشوق (مواقف طريفة اوموعظة او تحفيز او تحذير…. ) نواجه فيه انقلاب ابنائنا واخواننا… جيل هذا اليوم من معتقدات او افكار….. مع التحية والتقدير مجرد رئي… اخوك ابو يزن

  2. تحيّة تقدير واحترام معطّرة بأريج الحبّ والودّ، وكل معاني الإخاء
    أخي أبا يزن،،
    هذه المدوّنة موجّهة في الأصل إلى أبنائي، ثمّ للإخوة الفضلاء أمثالكم،،
    ملحوظتك محل عناية، واقتراحك محل حفاوة.
    شاكرٌ لك كلّ الشكر لهذه الإطلالة الجميلة.
    دمتم بودّ، والله يرعاكم،،

  3. كلنا نحتاج إلى الدفتر الأزرق في حياتنا او قد مررنا به بشكل من الأشكال. مثل البوابة تنتظر منا فضول معرفة ما بعده.

    جزاءك الله خير خالي على المقالة الرائعة.

  4. حياك الله يا صديقي الأديب العاشق.
    إذن فتضييعك للأغراض عادة قديمة (:
    نخن في انتظار قصاصاتك وقصصك الجميلة المفيدة
    اسلم لمحبيك يا أليف الفؤاد
    حفظك الله ومن تحب

  5. من الأبيات السائرة على الألسن:
    العلمُ صيدٌ والكتابةُ قَيْدُه
    قَيِّدْ صُيودَك بالحِبَالِ المُوثقَة
    وَمِنَ الحَمَاقَةِ أن تصِيدَ حمامةً
    وَتَتْرُكَها بَيْنَ الأوانِسِ مُطْلَقَة

    نعم .. يوجد لبعضنا الكثير من الدفاتر باللون الأزرق أو غيره من الألوان ..
    تطايرت بعض أوراقها بفعل السنين ..
    إن لم تكن لفَّـةً لشطيرة ..

    حقيقةً .. لم يملك أكثرنا أدوات الكتابة ..
    أي نعم .. كنا نحب الاطلاع .. لكن لا نقرأ بعمق ..
    نحب الصور .. لكن لا ندقق فيها إلا للبحث عن “فضولي” في مجلة ماجد ..
    إلا أن بعض الكلمات تدغدغ المشاعر ..
    لغتنا الفصحى هي اللغة الكرتونية المدبلجة من مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي وغيرها ..

    هذا حد ثقافة أغلب المهتمين بالكتابة من جيلنا .. دون أرضية طيبة من قراءة ..

    لذلك كان أكثر كتاباتنا تقليدا لأحسننا صياغة وأبدعنا خطًا .. ولو كانت من جملة أوجملتين ..

    كنا نتسابق في فن كتابة الرسالة “رسـ الـ ـة حـ ـب”.
    وإن لم نرسلها لأحد ..

    كان جمال الخط وملحقاته من الرسومات أكثر وقعا في نفس المحبوب من جمع الكلمات وتركيبها ..

    أو هكذا كنا نظن ..

    لم نكن ندرك وقع الكلمة وأثرها علينا آنذاك .. لكن كانت لنا إبداعاتنا الكتابية في أغلفة المقررات المدرسية .. وحِسُّنا الأدبي في دفاتر الكشكول .. ومحاولة لترجمة المشاعر في تلك القُصاصات .. وحتى في مصحف التحفيظ الخاص .. وأستغفر الله ..

    لم يكن كلها كتابات حب ..
    أحيانا كانت عن الفخر .. وأحيانا للتأكيد على الانتماء .. ونحو ذلك ..

    عوامل الفتوة المبكرة.. إن كنت تسأل عن أسبابها ..

    وكما قلت سابقا يا توفيق ..
    تطايرت هذه الأوراق .. وتطايرت معها الكتابات .. ليس لأنها كُتبت بالخط الديواني فقط أو أنها زُيِّنت برسومات الورود .. بل لأن فيها أفكارنا وخيالاتنا وأحلامنا ومشاعرنا الصادقة ..

    وددت لو احتفظت بما كنت أكتب .. لعلي أعيد كتابتها بشكل أفضل .. أو أبقيها كما هي تشهد على زمن من حياتي ..

    ما أريد قوله يا توفيق:
    اقرأ واكتب .. ولو كانت بلغتك الدارجة مما استجمعتها من قراءاتك ومخالطاتك ..
    ولا تستقلل من نفسك إن أمسكت بالقلم لتكتب .. أو بالجوال إن كَتَبْتَ بالأنامل كما هو حالنا الآن ..

    فلعلك تحفظ فكرة .. أوتحتفظ بكتابة من إنشائك الحر .. أو رسمة وشخبطات لنفسك .. تقرؤها كلاما ونراها عبثا ..

    فلعلك تقلِّب يوما في أوراقك ..
    وتجد نفسك أنك كنت إنسانا ..

  6. فلعلك تقلِّب يوما في أوراقك ..
    وتجد نفسك أنك كنت إنسانا ..

    لله ما أروعك يا أبا عبد اللطيف،،
    أنا أترقب الفرصة المناسبة لأحكي لتوفيق العلاقة التي تربط ما بينكما
    وعسى أن يكون قريبًا،،

  7. شيخنا الحبيب الأديب عدنان
    قلمكم أنيق، وأسلوبكم شيق، وعزفكم بالحروف فيه سحر فريد.
    شكرا لكم بحجم السماء على الإبداع والإمتاع.
    دمتم متألقا 🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *