هياط خالد الجِنْدي

غادرني أمس الثلاثاء فجرًا صديقي قيصر جيهان أبو ماهر، سافر إلى أهله وأبنائه في بنغلاديش في زيارة تزيد على أربعة أشهر. عقد صداقةٍ امتدّ أكثر من 14 سنة من خلال العمل، لم يبق بعد هذه السّنوات من الفريق الذي تأسس عليه (مشروع تعظيم البلد الحرام) إلَّا أنا وصديقي هذا.

صديقي أبو ماهر .. من خيرة من عرفتُ، كريمًا في فاقة، وعزيزًا في لين، ومتواضعًا في سموّ، يبذل من ذات نفسه دون قيدٍ ولا شرط. رجلٌ من عامّة النّاس، يحبّ الخير، ولا يتشبّع بما لم يُعط (ما عنده هياط).

وعلى ذكر الهياط .. ادّعى خالد الجندي الداعية الإسلامي والعالم الفقيه في برنامجه في إحدى القنوات المصرية= أنّه قرأ أكثر من 250 ألف كتاب، وذلك في سياق ادّعاء المعرفة والأحقيّة في أن يمدّ لسانه الطّويل في كلّ قضية من قضايا الأمّة المصرية. وأنّ على من ينازعه رأيًا أو فِكرًا أن يقرأ مثل ما قرأ.

لو قلنا على سبيل التمثيل أنّ متوسط صفحات الكتاب الواحد من الكتب التي قرأها خالد الجندي يتكوَّن من 100 صفحة، وأنّ متوسط قراءة خالد الجندي في اليوم 500 صفحة (مع أنّ متوسط القارئ العادي 50 صفحة يوميًا، ولكن لنفترض أنّ الجِندي قارئ خارقٌ فوق العادة بعشرة أضعاف)، أي أنّه يقرأ في اليوم الواحد خمسة كتب، وفي الشهر الواحد 150 كتابًا، وفي السنة الواحدة 1800 كتاب، فلو عاش خالد الجِنْدي 100 سنة= يكون قد أنهى 180 ألفَّ كتاب فقط، هذا على فرض أنه بدأ يقرأ من ساعة خروجه من بطن أمّه. وبقي عليه 70 ألف كتاب، يحتاج فيها إلى 28 سنة وثمانية أشهر حتى يستطيع أن يُتمّ قراءتها. أمَّا من يزعم أنَّه قرأ 100 ألف كتاب؛ فإنّه يحتاج إلى 55 سنة وستة أشهر.

كل هذه الفرضيات على أنّ متوسط القراءة اليومية 500 صفحة، وأنّ الكتاب الواحد لا يتجاوز 100 صفحة، دون أن نقف على عناوين تلك الكتب في العقيدة والفكر والتّصوف والفلسفة والمذاهب والفرق والأديان والثّقافة الإسلامية، والتفسير وعلومه، والحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والعربية وعلومها، والأدب وفنونه من شعر ونثر وقصة ورواية.

هذه الأرقام الفلكية كان يرد قريبٌ منها في كتب تراجم الرّجال القديمة، فيذكرون أنّ عالمًا كان يطالع في اليوم 30 جزءًا، أو أنّ عالمًا آخر صنّف في تاريخ الأمم أكثر من 600 جزءٍ، ولكن ينقضي عجبك حين تعرف أنّ الجزء في عُرفهم لا يتجاوز 16 صفحة.

وليس في حديثي هذا .. تشهيرٌ بخالد الجِنْدي، فهو الذي شهَّر بنفسه، وأبان عن عوار حُجَّته، وهو يمارس بدعواه هذه نوعٌ من أنواع الإرهاب، وهو الإرهاب الفكري على مَن يخالفه. فالحُجَّة في النقاشات العلمية في صحّة الدليل النقلي أو استقامة التّعليل المنطقي، ولا عبرة بشخص المُحاور، ولا رُتبته العلمية، ولا إنجازاته الشخصية.

إنّ الادّعاء الفارغ (الهياط) الذي يتمثل في دعوى خالد الجِنْدي= هو مِن تشبع المفلس بما لا يُعط، وقد ذمّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ووصفه بلابس ثوبي زُور. وما أجمل أن يسير الإنسان في النّاس سيرةً حسنةً من إنكار الذّات وعدم ادّعاء الفضل، يمشي كآحادهم، مع بذل كل أسبابه لنيل الفضائل، وجمع المحاسن، واكتساب كل فضيلة، ونبذ كلّ رذيلة، فهذه شيم النّفوس الكريمة، التي تحبّ الصّدق وتكره الزّيف.

إذا مدّ الله في أعماركم فسوف تلتقون في حياتكم -يا أبنائي- أمثال خالد الجِندي في صور متعددة، في صورة المثقف، وفي صورة السياسي، وفي صورة عالم الدّين، وفي صورة التّاجر، وفي صورة الصديق، المزيّفون الذي لا يعملون، ويُقعدون النّاس عن العمل، وفي المحافل ينسبون كلّ عمل ناجح لهم، وأنّهم خلف كلّ إنجاز، ووراء كلِّ فضيلة، حُبًّا في الذِّكر ورغبةً في الظّهور.

وقديمًا قال الشّاعر الجاهليُّ الجساس بن مُرَّة:

وإذا تكونُ كريهةٌ أُدْعى لها … وإذا يُحاسُ الحيسُ يُدعى جندبُ

وكل هؤلاء خطرهم جسيمٌ على الأفراد والمجتمعات. فعليكم أن تفطنوا لهم، وأن تتبيّنوا الزّيف من الحقيقة، والأصيل من الخسيس، وإنّ للصّدق علامات، كما أنّ للادّعاء علامات، وجماعُ ذلك كلّه -فيما أعلم من تجربتي- في الصّادق: العمل في صمت، وفي المزيف والمدّعي: كثرة كلمة (أنا) في حديثه.

سفيان، مالك، أحمد، توفيق !!

تصبحون على خير،،

الأربعاء 3 صفر – 2 أكتوبر

6 thoughts on “هياط خالد الجِنْدي”

  1. نعم، ما أجمل التواضع، وحري بكل من ازداد علما أن يزداد تواضعا، وكل من ازدادت اطلاعاته أن يزداد معرفة بجهله وتقصيره.
    درس جليل نتعلمه من كل ذلك.

  2. يظل قيصر كاسمه قيصر النبل والتواضع.. لا أتذكر اننا اختلفنا في عملنا معا مع ان عملنا كان شاقا ومجهدا.. فربما تواصل من الثامنة صباحا إلى الثانية قبل الفجر.. ان لم يتصل لليوم التالي.. ولايتذمر قيصر يخدم الجميع على السواء بغير تفريق.. وفقك الله تعالى ياقيصر وأصلح لك ذريتك.. فقد كنت باسما وبساما لطيفا.

  3. تعجبت من حسن الانتقال في الكلام من قيصر إلى الجندي
    رائع ووفي أنت يا أبا سفيان
    زادك الله من فضلك

    1. شكرًا لك يا أبا رند،،
      إنّ لحرفك أثرًا في نفسي يُذكر فيشكر،،
      دمتَ لي رفيقًا على الخير والمحبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *