من أوراق العمر

دُفن فجر اليوم في مقبرة المعلاة أخي محمّد بن عبد اللطيف سادي يامو، كان فيما مضى صديق الطّفولة، له في ذاكراتي المنسيّة ذكريات كثيرة جدًّا محزنة ومبكية ومضحكة، كان حاضرًا يوم عضّني كلبٌ في ظهيرة يوم قائظ في شعب علي عند بيت رضوان الصّيني. وكان في ذاكراتي في أوّل يومٍ دراسيّ لي في مدرسة دار العلوم الابتدائية؛ إذ اصطحبني إليها. رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً، فبرغم كلّ شيء الموتُ أكثر مهابة وإجلالًا من أن نصطحب بحضرته ضغائن وأحقادًا طواها الزّمان بكلّ مرارتها. غفر الله لي ولك يا أبا وِسام، وتجاوز عنّي وعنك. فقد كنتَ صديقًا وكنتَ أخًا، وكنتَ ذا نفس كريمةٍ، وكنتَ طيّبًا. مضيتَ وتركتَ فينا رَحِمًا علينا أن نصلها من بعدك: وسام ووِئام (أمهما ابنة خال الوالدة).

وفي هذه الذّكرى التي تتراءى عن الطّفولة وأيَّامها في وفاة أحد رفاقها .. أذكر أنِّي دأبت على مراقبة التّغيرات التي تُلاحظ على سلوكات ابني سفيان مذ كان طفلًا، وأذكر أني بدأت ألاحظ وهو الصّف الأوّل المتوسط أنّه يكتب على متعلقاته المدرسية من دفاتر ومذكرات وكتب وسجادة كلمة (forever). فنظرتُ في سلوكه، ورأيتُ أنّه لا بدّ من إجراء حديث رجلٍ لرجل، فخلوتُ به، وقلتُ له: ميلُ الرَّجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرَّجل= فطري في طبيعة الإنسان، وأصل خلقته. فليس لي أن أنكره عليك، وقد اكتويتُ به في حبّ ابنة الجيران، وقصة أن يعشق الفتى ابنة الجيران قصة كونية أزلية، تتجدد أحداثها وتتكرر فصولُها على مرّ الأجيال. لكنَّ الذي ينبغي عليك أن تفهمه أنِّي أريدُك حين تحبّ أن تكون رجلًا في حبّك.

كان في أوّل الحوار قلقًا، متوجِّسًا من نبرة صوتي، ومن إغلاق الباب علينا، ثم أطمأن بعد عبارتي الأخيرة، فقال: إيش تقصد؟

– الذُّكور في دنيا النّساء كثيرٌ، ولكنّ الرِّجال قليل، فإذا أحببتَ فتاةً يا ولدي، فاعلم أنّ لها والدان يحدِبان عليها، وإخوة يغارون عليها، وأخواتٌ يرتبط ذِكرها الحسنُ بذكرهنّ= فلا تجعل أحدًا غيرَها يعلمُ بحبّك لها (مو لازم كل الحارة تعرف).

ثم ناقشته في تفاصيل دقيقة تتعلّق بكيفية أن يكون رجلًا، ونبَّهتُه إلى جزئيات مهمّة كلها تدور في فَلَكٍ واحد، وهو: أن يخاف على سمعتها أكثر من خوف الفتاة نفسها. فإذا ما تغيّر ما بينكما، وصرفَ اللهُ قلوبكما، ومضى كلٌّ منكما في طريقه= مضى طاهر الذِّكر، نقي الذّيل.

ومنذ ذلك اليوم .. صار يفتح لي قلبَه، ويفضي إليَّ بما يعتلج في فؤاده، وما يعانيه من اضطراب جنانه. وأصغيتُ بقلبٍ مفتوح لكلّ ذلك من ومضات وخفقات ونبضات فتًى يُراهق الاحتلام، إلى اليوم الذي قال فيه: أريد أن أخْطِب فلانة !!

ما كنتُ خلال تلك الأيّام مذ كان في الصّفوف الإعدادية، ثم الثانوية، ثم الجامعية= إلَّا مستمعًا، أنصتُ له، ولا أوجِّه له مساره. وكلّ ما أحاذره في كلّ ذلك ألّا تضلّ بوصلته، فيحيد عن طريق الرّجال، ويتقحم أمواجًا عاتية لا نجاة له منها.

ولم أكن له يومًا في الحبّ طبيبًا؛ إذ كيف يُداوي مَن به الدّاء، غاية ما يجده عندي هو المواساة. ثمّ إنّ أطباء الحبّ لا يؤمنون بالحبّ، إنهم يتكسَّبون باسم الحبّ. الحبّ وظيفتهم.

أمَّا أنَّا فقد عرفتُ الحبّ في صفحات القصص المصوّرة والرّوايات وما اشتهر من أيقونات الحبّ كعنترة وعبلة، وقيس ولبنى، وكُثَّير وعزّة، ورميو وجولييت، وستيفن وماجدولين، وسيرانو وروكسان، وجاك وروز، وجبران ومي زيادة، ..، كل هؤلاء وغيرهم عرفتُ قصصهم من خلال القراءة، ما عدا عنترة وعبلة فمن خلال القصص المصورة، وهذه الأخيرة (عبلة) كنتُ أظنها سميرة توفيق.

عرفتُ الحبّ في القصص، ولم أتعرّف عليه في الحياة، ولقد كانت تأخذني نفسي غرورًا في صباي، فأقول: إني أحببتُ فلانة وفلانة وفلانة ..، ولكني الآن أقول: إنّ ذلك ما كان حبًّا، وإنّما كان ميلًا فطريًّا، أو إعجابًا بما لا يستحق الإعجاب، أو غرورًا وتوهمًا.

الحبّ الذي عرفته لم أبحث عنه، ولم أسع إليه، صحيحٌ أنِّي كنتُ أحلمُ به، وأكتبُ عنه، ولكنه كان حبًّا على الورق، كنتُ أكتب ما أقرأه وأفكّر فيه، عالمًا أرسمه في خيالي، بنيتُ كوخًا خشبيًا في جزيرة نائية، أقمتُ الكوخ على شجرة عظيمة، أصعد إليه بدرج لولبيّ، وجعلت له شرفةً واسعةً، ووضعتُ فيها سريرًا معلّقًا، وجعلت المطبخ في طرف الشرفة، خارج الكوخ، أمّا داخل الكوخ فمجلدات الكتب رُصّت في جميع جهاته الأربعة، وفي كلّ المساحات الممكنة.

وفي هذا العالم الافتراضي أقضي الليالي، بعيدًا عن دنيا النّاس في عالم الواقع، أقرأ وأكتب في هذه الشُّرفة على ضوء القمر، وأغنيات حوريات البحر. وفي ليلةٍ من اللّيالي التي يختفي فيها القمر، انحدرت من السّماء نجمةٌ اسمُّها السُّها، جلست بجواري تستمع إليَّ ما أقرأه، وتقرأ عليَّ ما أكتبه، وتشاركني سريري المعلّق، وتدندن ألحانًا قديمة، وتغني أغنياتٍ من الحقول لم أسمعها من قبل. ومع نسائم الصَّباح تختفي تاركةً في الشَّرفة قهوةً مُرَّة دون سكر.

وعلى مدى سنواتٍ أعادت قراءتي، عرفتني في هذا العالم الافتراضي، فقرأتني قراءةً حالمةً تقلِّبني ورقةً ورقة، وتسورت حصوني فتركت بصمتها في كلّ شبرٍ وقفت فيه، أو وطئت عليه. وفي صحبتها تعرّفت على مفرداتٍ جديدة، وشقّقت لي من أنفاسها معانٍ لمفردات ألفتُها، فأعادت قراءتها بصوتها. علّمتني أنّ قوّة الكلمة ليست في جمالها وجرسها، وإنّما في صدقها. زيّنتِ الشُّرفة بصورها (صوت الرّيح يداعب السّتائر في ليل حالك، قمرُ يناجي النّجوم، نسائم السَّحر برائحة الحقول، وقهوةٌ مُرَّة دون سكر).

وخالطتُها ومِلْتُ عليها بجسدي وروحي، ورويتُ لها من دفاتري القديمة أشعارًا وحكاياتٍ عن أنثى عشقتها بخيالي، وخلقتُها من فكري وجنوني، ونفختُ فيها الرَّوح، فما اهتزّ جسدُها، ولا سرى الدَّم في وجهها. فأغلقتُ عليها دهرًا حتى نسيتُها، ولهوتُ عنها حتى ذابت من ذاكرتي، فلا يثير ذكراها صورة حسنة ولا صوت جميل. والآن أعيد تلاوة ما كتبته عليكِ، فها أنتِ قد وجدتني.

نظرتُ إليها؛ فإذا بعينيها تلألأن، وقالت: حبيبي، حان الآوان .. عليك أن تترك هذه الجزيرة، وتهجر هذه الشُّرفة، يجب أن تعيش في دنيا النّاس، أبناؤك بحاجتك، وأنا بحاجتك، أنت اليوم رجلٌ جديد، رجل يعيش بداخله أنثى هي أنا، وتذكرني دائمًا .. أغنيةً من الحقول.

الثلاثاء 2 صفر – 1 أكتوبر

10 thoughts on “من أوراق العمر”

  1. أهنئ سفيان.. على هذا الوالد المربي.. وهذا المعلم الأديب.. وهذا المرشد بلطف.. والطبيب بحنو.. شجاعة الأب أمام أبنائه لاتعني الا الوضوح والتقبل والإقبال والمقابلة غير المشروطة بالموافقة بل بالتفهم والتفاهم والمفاهمة باحترام لايعرف الانتهاك..
    هنيئاً سفيان.. بأبي سفيان..
    وهنيئا أباسفيان.. بسفيان!

    1. هذا من لطفك، وكرم أصلك يا أبا عبد الرحمن.
      أنت مدرسة تربوية، وأنا أتعلّم منها.
      حفظك الله يا طيب،،

  2. أبا سفيان
    كنت -ولا زلت- أحسدك على قربك من أبنائك، والتصاقك بهم، مع حرصك على أن لا يلبسوا جلبابك.
    لك الله يا صديقي العاشق العطوف.
    أتمنى لك ولعائلتك الكريمة كل خير وتوفيق وسداد.

    1. اللهم آمين،،
      ما ذكرته صحيحٌ تمامًا.
      وهو بعض ما عندكم يا أبا محمد.
      بوركتم، وبورك في أبنائكم،،

  3. لا أدري .. لمَ لِقصص الحب دائما شطرها المعلَّق ..
    لمَ لا نجد في الواقع ترجمة لنهايات القصص الخيالية : ( وعاشا معا حياة سعيدة) ..
    لا أظنني بارعا في الحديث عن المشاعر ..
    لكن .. ارفق بقلب أبيك يا سفيان .. لا تثقل عليه .. فلكل منا صدماته في الحياة ..
    تعوَّد أن تكبت كما تفضفض .. لا أحد يحسن المواساة كأبيك .. وليس كل أب يحسن فعله .. ولا أحد يستطيع الصمود كلما تحدث أحدهم عن الحب .. لا شيء متوفر دائما ..

    أما أنا فأعلل نفسي دائما بأن : (الحب أكاذيب صادقة) .

    1. نعم، الحبّ أكاذيب صادقة
      جميلٌ أنتَ دومًا يا أبا عبد اللطيف.
      لديك روحٌ شفّافة تشفّ عن دقيق المعاني!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *