كان يا ما كان

تخيّلوا يا أبنائي أننا على شاطئ “هوهين”، ذلك المكان السّاحر الذي كنّا فيه الصّيف الماضي، وتحلّقنا حول نار هادئة بعد وجبة عشاء دسمة .. إنّ أجمل جملة يمكن أن تطرق أسماعكم هذه اللحظة، هي:

كان يا ما كان ..

ملِكٌ اتّخذ من شعبه عبيدًا له، فهم يسبّحون بحمده ليل نهار، يبصرون ما يبصره، ولا يسمعون إلَّا ما يقوله، طريقةً في الحياة يسلكونها، ونهجًا مُعَبَّدًا بأقدام أسلافهم اتَّبعوها.

وكان لهذا الملك في مملكته ساحرٌ يفيء إلى حكمته، ويرسم خطّة سياسته. ولكنه كبُرَ حتى خيفَ عليه الهلاك ولم يُخْلِف أحدًا مكانَه، وليس في المملكة مَن يتأهّل ليحلَّ محلّه. فكان أن أعُلن في المملكة عن دروة تدريبية بمقعد وحيد، يترشح له شابٌ فَطِن من عامّة الشَّعب يختاره السَّاحر مدرِّب الدَّورة. وهكذا اُختير عبد الله من خيرة غلمان المملكة، شابٌّ ذكي القلب زكي الرّوح.

كان الغلام يختلف إلى السّاحر من قريته، فيمكث عنده يتعلّم، ثم يعود إلى أهله. وفي الطريق بين أهله والسّاحر صومعة راهبٍ من الرّهبان، وكان يضيف المارّة، يطعمهم ويسقيهم، ويؤنسهم بحديثه. فجلس إليه الغلامُ يومًا وهو في طريق عودته، فاستمع لحديث الرّاهب، وأعجبه، فصار يتردّد عليه في الذّهاب والعودة، يجلس إليه، ويتعلَّم منه.

صار بذلك يتأخّر على السّاحر في غدوّه، ويتأخّر على أهله في رواحه، ويلقى العناء والأذى من الطّرفين، فشكا إلى الرّاهب، فقال له: إذا خشيتَ السّاحر؛ فقل حبسني أهلي، وإذا خشيتَ أهلك؛ فقل: حبسني السّاحر.

وهكذا مضى الغلام يتعلَّم الحكمة والسِّحر معًا، ترتقي نفسُه في أعلى درجات المعرفة ثم تهوي في دركات الجهل، تدور في فكره حقائق الإيمان ودجل الخُرافة، فإذاهو في قراره اثنان لا واحد، عملةٌ لها وجهان، تؤامان سياميان .. روحان ملتصقتان لجسد واحد، مشروع غير مكتمل لفكرة فرانكشتاين. ويومًا ما لقي في طريقه ثعبانًا ضخمًا حبس طريق النّاس، فوُضِع موضع الاختبار الأوّل في حياته، فقال في نفسه: اليوم أعلم آلسّاحر أفضل أم الرّاهب؟ فأخذ حجرًا فقال: اللهم، إن كان أمرُ الرّاهب أحبَّ إليك من أمر السّاحر؛ فاقتل هذه الدّابة، حتى يمضي النّاس.

فرماها به فقتلها، ومضى النّاس بخبره مع الدّابة، فأتى الغلامُ الرّاهبَ فأخبره، فقال الرّاهب: أيْ بنيَّ، أنتَ اليومَ أفضل منِّى، قد بلغ من أمركَ ما أرى، وإنَّك ستبتلى، فإن ابتُليتَ فلا تدلَّ علىَّ.

كانت هذه كلمة الإجازة أو التَّخرَّج في مدرسة الرّاهب، فصار الغلام يبرئ الأكمَه والأبرصَ، ويداوي النَّاس من سائر الأدواء. والنَّاس تظنَّ أنَّه خريجُ مدرسة السّاحر، ويبدو أنَّه تصدَّر للنَّاس بعد موت السّاحر، فالرّوايات لا تذكره في هذه الأحداث. وصار الغلامُ المباركُ حديث المجالس، فسمع به جليسٌ للملك قبل أن يعمى، فيترك مجالسَه، فلمّا سمع بأثر هذا السَّاحر الجديد (في ظنِّه)= أتاه بهدايا كثيرة، وقال: ما ههنا لك أجمع، إن أنتَ شفيتني. فقال: إنِّي لا أُشْفي أحدًا، إنَّما يشفي اللهُ، فإن أنتَ آمنتَ بالله دعوتُ اللهَ فشفاك.

فآمَنْ بالله، فشفاه الله. ثمّ إنه اشتاق إلى سيرته الأولى في مجالسة الملك، والتي غاب عنها بعد عماه، فأتى الملكَ فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: مَنْ ردَّ عليكَ بصرَك؟

فأجاب الجليسُ: ربِّى.

مفردةٌ ليس لها دلالة ولا معنًى في قاموس الملك إلَّا ذاته الملكية، ولا يذكرُ أنَّه فعل ما يشير إليه جليسُه هذا، فتعجب: ولكَ ربٌّ غيرى؟

قال: ربِّي وربُّكَ الله.

إجابةٌ قاطعة، قطعت كلّ الاحتمالات والتّأويلات، فماذا صنع الملك؟

إنَّه أمام فكرةٍ جديدة، بدأت تتسرَّب إلى عقول أفراد شعبه، والفكرة تتحول إلى عقيدة، والعقيدة تتحول إلى سلوك وعمل.

إذن؛ لا بدَّ من معرفة مصدر هذه الفكرة الدّخيلة، فأخذه فلم يزل يعذبْهُ حتى دَلَّ على الغلامِ، فجيءَ بالغلام، فقال له الملك: أيْ بنىَّ، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمَه والأبرصَ، وتفعلُ وتفعل. فقال: إنِّي لا أُشْفِى أحدًا، إنِّما يشفي الله.

فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دَلَّ على الرَّاهب، فجيء بالرَّاهب. فقيلَ له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقَّه حتى وقع شقَّاه. ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوُضع المنشار في مفرق رأسه، فشقَّه حتى وقع شِقَّاه.

القتلُ يحتملُ، أمَّا التّعذيب الذي يُتمنّى معه الموت= فإنه لا يحتمل. لذلك لم يثبتوا في الأولى، وثبتوا في الثّانية.

ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه المُرتزقة، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلَّا فاطرحوه.

إنَّ قتل الجليس والرّاهب في قصر الملك ليس أمرًا يُقِلق عامّة الشَّعب، أمَّا الغلام فقضيةٌ معقّدةٌ، فهو الغلام الذي تخرّج في مدرسة السّحر الملكية، وهو الذي قضى بمهاراته السّحرية= على دابةٍ عظيمةٍ بحجرٍ رماه عليه. وهو الذي أنشأت له الدّولة دار الحكمة التي يُعالج فيه النّاس بسحره، فيبرئ الأكمَه والأبرص، ويعالج سائر الأدواء والأمراض، حتّى شاع ذكره في البلاد.

هذا الغلام هو أحد مخرجات الدّولة، ومن أفراد المؤسسة الحاكمة. فلا بد من اختفائه، وتختفي جثته، والأيَّام كفيلةٌ بمسحه من ذاكرة النّاس، لا سيما إذا شُغِلوا بالغلاء في المواد الغذائية، وشحِّ الموارد الطّبيعية، وانتشار البطالة. وبات همُّ ربِّ الأسرة كفَّ شعيرٍ لا يُغني ولا يُسمن.

فذهبوا به بعيدًا، صعدوا به جبلًا، فقال الغلامُ: اللهم، اكفنيهم بما شئتَ. فرجفَ بهم الجبلُ فسقطوا، وجاء يمشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابُك؟ قال: كفانيهم الله.

فدفعه إلى زمرة أخرى من المرتزقة، فقال: اذهبوا به، فاحملوه في قُرْقُور، فتوسَّطوا به البحرَ، فإن رجع عن دينه وإلَّا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم، اكفنيهم بما شئتَ. فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشى إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟  قال: كفانيهم الله.

كان الغلام يُدرك أنَّ الأفكار لا تموت، وإن مات أصحابُها، بل إنَّ أفكارهم تتزيّن عرائس ساحرة الجمال مثيرةً للخيال، فإذا ما قُتِل أصحابها سُقيت بدمائهم، فسرت فيها الحياة، ونالت أسباب الخلود.

ويُدرك أنّه صاحب فكرة، وأنّها قد بدأت تروج في أفراد الشَّعب الذين يقصدونه ليعالجهم، لكنه لم يصل جماهير الشّعب، فبدأت معالم خطّته للوصول إلى جماهير النّاس تتضح وتتشكل في ذهنه بحروف بارزة، فأحكمها، ورسم حدودها، وليس عليه إلَّا الصَّبر وترقّب اللحظة المناسبة. فكان يعود في كلّ مرّة ينجو فيها من الموت إلى الملك، فيسري في النّاس فكرةً تصوِّر عجز الملك -الذي يزعمُ أنّه ربّ النَّاس- عن قتله، وأنّه لا حولَ له في ذلك، ولا قوّة. ليس له من الأمر شيءٌ. بل إنَّ هذه الفكرة كان يعزِّزها في نفس الملك كذلك، فقد تأكد له من المرّتين أنّه عاجزٌ عن قتل الغلام، قليل الحيلة في تدبير موته.

أدرك الغلامُ أنَّ فرصته قد حانت، والملك بلغ مبلغًا من قلّة الحيلة عليه أن يستحوذ عليه فيها، فقال للملك: إنَّك لستَ بقاتلي، حتى تفعلَ ما آمُرُكَ به.

قال: وما هو؟

قال: تجمعُ النَّاس في صعيدٍ واحدٍ، وتصلبني على جذعٍ، ثمّ خذ سهمًا من كنانتي، ثمّ ضعِ السَّهمَ في كبد القوسِ، ثمّ قل: باسم الله ربِّ الغلام، ثمّ ارمني، فإنك إذا فعلتَ ذلك قتلتني.

لقد أعدَّ الغلامُ المشهدَ الأخيرَ من فصول حياته بدقَّةٍ وعنايةٍ شديدة، جهّز المسرح، حدَّد الشخصيات الرئيسة، صاغ الحوارات صياغةً محكمة بجمل قصيرة واضحة، واهتمّ بالتفاصيل المؤثِّرة في الديكورات.

ولشدّة رغبة الملك في قتل الغلام ونفي الفكرة التي غدت وباءً بين شعبه في أنّه عاجزٌ وهو القوي القدير على قتل غلامٍ من غلمانه= أشرف بنفسه على كل التّجهيزات التي طلبها الغلام، فجمع النَّاسَ في صعيدٍ واحدٍ، وصلبه على جذعٍ ليراه كلّ النّاس، ولا يحول دون فردٍ منهم رؤية الأنفاس الأخيرة للغلام، وأنّه بنفسه تولَّى ذلك، بيده لا بيد أحدٍ من أعوانه. ثمَّ أخذ سهمًا من كنانة الغلام، ثمّ وضع السَّهمَ في كبدِ القوسِ، ثمّ قال: باسم الله ربِّ الغلام.

ثمّ رماه، فوقع السَّهم فى صُدْغِهِ، فوضع يده في صُدْغِهِ في موضع السَّهم، فمات.

مشهدٌ حبس أنفاسَ الجماهير .. وهم يرون كيف تجلَّى عجز الملك عن قتل الغلام، لولا أنَّ ربّ الغلام قد قضت حكمته أن يموتَ الغلام لنستيقظ نحنُ من سباتنا، ونفيق من سكرتنا، فقد جرَّده الغلامُ من كلّ أسباب القوّة، وبدا أمام الجماهير عاجزًا العجز. فـ (سيناريو) المشهد كلّه من الغلام، والسّهم من سهام الغلام حتى الأسباب المادية المؤثِّرة كانت للغلام، وحتى قوّة الملك لم تكن عاملًا مؤثِّرًا في موت الغلام؛ إذ أصابته بين أذنه وعينه، لم تكن في مقتل، ولكنه مات في ساعته، أسلم جفنه وهو هادئ واضعًا يده مكان جرحه. والجملة الوحيدة التي كانت في (الحوار) صاغها الغلام بحروفها (باسم الله ربّ الغلام)= فضّجت الجماهير بصوتٍ واحد: آمنَّا بربِّ الغلام، آمنَّا بربِّ الغلام، آمنا برب الغلام.

فأدرك الملك أنّ الغلام قد تلاعب به، وبرغم ذلك تكبّر وتجبّر، وركب رأسَه، وامتطى عقله، ورجع إلى خطته القديمة التي لا يمكن أن يعقل سواها، يُعالج بها كل ما يتهدد عرشه: فأمر بالأخدود في أفواه السِّكك فخُدَّتْ، وأضرم النِّيرانَ، وقال: مَن لم يرجع عن دينه، فأقحموه فيها.

ففعلوا، ولكن الفكرة لم تعتد مجرد فكرة، بل غدت عقيدةً تخالط بشاشة القلوب، ومن صورها: أنّ امرأةً ومعها صبىٌ صغير أُوقِفت على حافة الأخدود، فتردّدت وتأخَّرت أن تقعَ فيها شفقةً على الصّبي الصّغير، رغبت في الحياة للصبي لا لنفسها، فقال لها الغلامُ: يا أُمَّهْ، اصبري، فإنكِ على الحقِّ.

فأمسكت بيده، وقفزا إلى الحُرِّية !!

الإثنين 1 صفر – 30 سبتمبر

2 thoughts on “كان يا ما كان”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *