الخوخ!!

مررتُ في الأيّام العشرة الماضية بعارض صحي، أثّر على الحالة المزاجية للكتابة والقراءة معًا، ولم يكن لي من حيلة سوى التبطح طيلة الوقت، وإعمال الفكر فيما يرد ويصدر، ولا زال العارض الصحي يلازمني، وكذا الحالة المزاجية، وكنوعٍ من المقاومة لحالة التبطح التي لازمتني رأيتُ أن أرجع إلى كُنّاشةٍ قديمة ضممتُ إليها بعض القصص القصيرة المختارة من خزانة الأدب العالمي، وهي اختيارات من قراءات سابقة في مجلات الأدب القديمة، مثل: الرّسالة والبلاغ والمصور والمجلة وغيرها.

وقد كان الباعث لاختيار هذه القصص هو أثرها القيمي على النّفس، بحيث إنّها تملّكتني، وبعضها لأجل عبقرية الكتابة في الحبكة الدّرامية أو الكوميديا السّوداء.

والليلة اخترتُ لكم قصةً قصيرة من قصص الفيلسوف الرّوسي تولستوي، نشرت في (مجلة الرسالة، العدد: 795، 27 سبتمبر 1948م)، بعنوان الخوخ، يقول فيها تولستوي:

لما فرغ القروي تيكو كوزيت من جولته بالمدينة، قفل راجعًا إلى منزله يحمل في إحدى يديه صرَّة صغيرة، فلما بلغ صحن الدار نادى أولاده جميعًا، ثم قال لهم: انظروا يا أطفال! ماذا بعث العمُّ إفريم إليكم!

فهرول الصِّغار إليه ثم توسطوه، بينما كان هو منصرفًا إلى فضِّ الصرَّة؛ لإخراج محتوياتها، فلما تمَّ له ذلك صاح فانيا -طفل صغير في نحو السَّادسة من عمره-: تأمَّلي يا أمي التُّفاح الجميل، كم هو رائعٌ في احمراره!!

فعقَّب سيرج الابن الأكبر على الفور: بعيدٌ على الظنِّ أن يكون هذا تفاحًا يا فانيا، جرِّب أن تتحسس ملمسه، ألا ترى له أثر ملمس زغب الدَّجاج في يدك؟!

عندئذٍ قال الأب: إنَّه ليس تفاحًا يا ولدي، إنه فاكهة تسمَّى الخوخ، أعتقد أنَّه لم يسبق لكم أن رأيتموها من قبلُ، إليكِ يا امرأة أكبر الخوخات، أمَّا هذه الأربع؛ فإنها لكم يا أولادي.

وفي المساء سأل تيكو أبناءه جميعًا كيف وجدوا الفاكهة الجديدة؛ فأجاب سيرج الابن الأكبر: لقد وجدتُها سائغةَ المذاقِ جدًّا يا أبتِ، حتى لقد أزمعتُ غرسَ نواتها في آنية، لعلَّها أن تنمو وتثمر يومًا وتصبح شجرة خوخٍ جميلة، تُدِرُّ عليَّ في سخاءٍ مثل هذه الخوخات المستحبات.

فتبسم الأبُ، ثم قال: ربما كنتَ يا سيرج في قابل أيامك مزارِعًا كبيرًا.

وقال الصَّغيرُ فانيا: أمَّا أنا يا أبتِ، فقد وجدتُها بالغةَ اللَّذةِ، فارطة الحلاوةِ، حتى طلبتُ من أمي أن تعطيني نصف خوختها. أمَّا النواةُ؛ فقد ألقيتُ بها.

فهزَّ الوالدُ رأسه، ثم قال: إنَّكَ ما زلتَ بعدُ غِريرًا يا صغيري.

وقال الابن الثاني فازلي: لمَّا ألقى فانيا بالنَّواة؛ سارعتُ فالتقطتها، وقد وجدتُها شديدةَ الصَّلابة، ولكنِّي لم أيأس، وعالجتُ كسرَها حتى أفلحتُ في ذلك أخيرًا، وكم كان اغتباطي عظيمًا يا والدي؛ إذ ألفيتُ داخلها جَوزةً لها مذاق البُندقة. أمَّا خوختي؛ فقد تدبرتُ أمرها بُرهةً، ثم اخترتُ أن أبيعها على أن آكلها، مجتزءًا باللوزة الظَّريفة مأكولًا لذيذًا.

فضحكَ الأبُ مليًّا لمقالةِ فازلي، ثم قال: إنَّ الوقتَ لم يحن بعدُ لتبدأ أعمال التجارة يا فازلي، أتُراكَ تستعجل امتهانَ الحرفة التي تؤثَرُ يا صديقي.

خيَّم الصَّمتُ بُرهةً، التفتَ بعدها تيكو إلى فولوديا ابنه الثَّالث، ثم قال مستغربًا: وأنتَ يا فولوديا، لم تحدثنا كيف وجدتَ مذاق خوختك؟!
– لا أدري يا والدي.
لا تدري ؟! كيف ؟!! إنكَ لم تأكل واحدتك إذن؟

فأجاب فولوديا: لقد حملتُها إلى جوشا؛ إذ علمتُ أنه مريضٌ ضريح الفراش؛ فلمَّا دخلتُ عليه، وجلستُ إلى جواره، لم يفعل سوى أن ظلَّ يتأمل الخوخةَ معجبًا، فعرضتُ عليه أن يأخذها، لعلَّها أن تعجِّل شفاءَه، بيدَ أنه رفض، ورفض في إصرار. فلم أجد حيلةً لقسره على أخذها إلا أن أتركها -وأنا منصرفٌ من زيارته- على نضدٍ صغيرٍ محاذٍ لوسادة الرأس في فراشه، وقد وضعتُها ثمةَ في رفقٍ، ودون أن يشعر، ثم حييتُه وانصرفت.

عندئذٍ جاش صدرُ الأبِ تأثُّرًا لهذه العاطفة الكريمة، وقال في نبرة حانية -وهو يربتُ على كتف ابنه-: إنّك يا فولوديا كمَلَكٍ رقيق الحسِّ نبيل المشاعر.

نهاية القصة جميلة مؤثّرة، تتناول عدّة جوانب تربوية في حياتنا الأسرية، ولكن أهمّ تلك الجوانب هو أن يكون الأب قريبًا من أبنائه، يجالسهم، ويداعبهم، ويحاورهم، ويحاول قراءتهم، ويتفاعل مع حديثهم، ويوجّههم.

ففي النّهاية قد لا يتذكّر الأبناء كم كان الأبُ كريمًا معهم، وكم كان ينفق عليهم، وكم كان يبذل من أجلهم، ولكنهم لا يمكن أن ينسوا هذه الحوارات التي جرت بينهم وبين أبيهم، وكيف أنصتَ إليهم، واستمع لهمومهم ومشاكلهم، وتفَهَّم عواطفهم.

سوف يتذكرون أبدًا أنّه كان صديقًا لهم.

الإثنين 19 ربيع الآخر – 16 ديسمبر

10 thoughts on “الخوخ!!”

  1. ما زلت احاول جهدي أن أكون قريبا منهم.. صديقا لهم.. وقد نجحت مع بعضهم.. وانتظر نتيجة الدور الثاني مع بعضهم الآخر..

  2. قصة رمزية جميلة جدا.
    حقيقة يعد الكاتب الروسي ليو تولستوي من أبرز أدباء العصر الحديث، وله روايات هي من أبرز ما أنتجه الأدب الحديث، كرواية الحرب والسلام، ورواية آنا كارنينا، وغير ذلك.
    وفي هذه الجدارية محاولتك لإيصال الفكرة لأبنائك جميلة؛ فكل واحد من الأبناء تصرف في الخوخة خاصته بما يدل على شخصيته وما سيكون عليه في المستقبل.
    اختيار رائع وموفق يا عزيزي.
    تحياتي. ولا بأس عليك، طهور إن شاء الله.

  3. تربية الأبناء جهاد وأي جهاد، قد تجرب معهم كل السبل في صلاحهم وإصلاحهم، ثم تراهم يغدون .. فلا تسأل الله إلا العافية .
    يقول جان جاك روسو:”قبل أن أتزوج كان لدي ستة نظريات في تربية الأطفال، أما الآن فعندي ستة أطفال وليس عندي نظريات لهم”.
    ثم إياك أن تترك الدعاء لهم أبدا ..
    وسلِ الله دوما أن يقبلهم في عباده.

    إن شئت أتيت بالخوخ إليك ..
    لعل فيها ما يرفع التبطح ..
    شفاك الله ورفع عنك ما ألَمَّ بك ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *