سطرًا جديدًا يا ولدي!!

لديّ فكرةٌ قديمة عن الأنثى التي أسعى إليها، خلقتُها في فكري، وكتبتُها في دفاتري، ورسمتُ لها صورةً في كُراساتي. أنشأتُها من وجوه النّساء اللاتي تخيلتُهنّ في ذاكرتي، فكانت مزيجًا من ليلى العامرية ولُبنى الخُزاعية وعزّة الكنانية وبُثينة العُذرية في أشعار العُذْريين، وفرجينا وروكسانا ومارغريت وماجدولين اللاتي وصفهنّ المنفلوطي في رواياته وقصصه المترجمة.

ولكني أردتُ دومًا امرأةً تشبه أمّي روحًا في حنانها ورقّتها وخَفْرها، ولذلك تركتُ لها أن تختار لي زوجي بعد أن أوحيتُ لها. فاختارت ورضيتُ، وهكذا قُدّر لها أن تكون أمًّا لأبنائي. لا معرفة سابقة، ولا قصّة حبّ، ولا مناجاة هاتفية أو رسائل متبادلة خُفيةً، بل زيارات علنية، وتسللٌ من بيتها في ساعات الفجر الأولى.

تفجرّت اللقاءات والزّيارات في الفترة التي أعقبت كتابة العقد، وأثّرت تلك الزّيارات على انتظامي في معهد الحرم، وكنتُ يومها في الصّف الثّالث الإعدادي 1414، حتى آل إلى فصلي من المعهد، وتحويلي إلى الانتساب، فخسرتُ المكافأة الشهرية (450 ريالًا)، غير أنّي واظبتُ على الحضور، والإفادة من الدّروس، والتّحصيل الجاد، فهذا كان الدّافع الأساس للاتحاق بالمعهد، وليست (المكافأة)، ثم في السّنة الأخيرة وأنا في الصّف الثّالث الثّانوي 1417، أعيد اسمي في قائمة المنتظمين بشفاعة من الشّيخ الدّكتور فواز القايدي. لم يكن يعلم أحدٌ من المشايخ بقصّة تحولي من طالب منتظم إلى طالب منتسب، ولا أذكر كيف علم الشّيخ فواز بالقصّة؟ ولكنه فور أن علم، سعى في إعادة قيدي في كشوف الطلبة المنتظمين.

كنتُ طالبًا لا يملكُ قوتَ يومه بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، استجاب والدي لرغبتي في الزّواج من كثرة إلحاحي عليه، متجاوزًا بذلك اثنين من أشقائي محمّد وعثمان. وجهّز لي ملحقًا بسطح عمارته، يتكوّن من صالة كبيرة، ودورة مياه، وغرفتين. وباعت أم فيصل بعضَ حُليّها لتفرش الشّقة فرشًا كاملًا. واستدنتُ من صديقي الأستاذ سمير سباعي، تتمة المهر؛ إذ كان ذلك أقلّ ما يمكنني فعلُه في أمرٍ جللٍ كهذا. ووافق عليّ أهل زوجي (عائلة الكاري)؛ لوجاهة والدي في الفطانيين؛ إذ كانت سمعتُه تسبقه، وكان صديقًا لوالدهم المتوفّى. وأعارني صديقي الأستاذ عبد الرّحمن البشر سيارته؛ لأُقِلّ العروس وشقيقها إلى المحكمة يوم عقد القِران، وكان أحد الشّاهدَين والآخر أبو جميل سالم اللحياني، وكان بصحبتنا الأخ الفاضل سعود العميري، الذي كان حاضرًا للشّهادة كذلك. وزُفّت العروس إليّ ليلة 15 من شعبان عام 1414.

عملتُ في تلك الفترة في وظائف عدّة، وقف إخوتي بجانبي، والتفّوا حولي، فعملتُ نائبًا في مسجد الأستاذ أبي إبراهيم خلف القرشي أنوب عنه في صلاتي المغرب والعشاء، وأخطبُ عنه أحيانًا.

وعملتُ سائق أجرة (ليموزين) كما أسلفتُ سابقًا، وبعد أن رُزقت بسفيان عملتُ في محل لخياطة الثّياب الرّجالية، أنشأه أخي العزيز أبو يوسف محمّد عابد القرشي وكان طالبًا وقتها في الجامعة. أراد من خلال هذا المشروع أن يمدّ لي يد العون، فعملتُ فيه أنا وأخي أبو معاذ أحمد البلوشي وهو الذي علّمني كيفية أخذ القياسات للزّبون، ثم تقييدها في دفتر، وإرسالها في نهاية اليوم إلى الخياط الذي يخيط الثّياب، ولم ينجح المشروع للأسف.

وعملتُ معلمًا لتحفيظ القرآن الكريم ثمانية سنوات من عام 1414 إلى 1421 في مسجد نايض الرّوقي، ثم التحقتُ بالفريق العلمي بمؤسسة المنبر الخيرية، وبدأتُ مسيرتي المهنية كباحث شرعي إلى اليوم.

بدأتُ أحفظ القرآن الكريم في سنٍّ مبكّرة، في حلقة الأستاذ حسنين فطاني بالمسجد الحرام عام 1399، وأنا بالصّف الأوّل الابتدائي. ولا يزال الأستاذ حسنين (أطال الله في عمره) معلمًا في تلك الحلقة، مرابطًا فيها، يرجو الخيرية الموعودة لأهل القرآن (خيركم من تعلّم القرآن، وعلّمه). ولكني لم أتمّه حفظًا إلَّا في حلقة صديقي الأستاذ جميل سيّد كريم، ثم أنشأ لي حلقةً في مسجده، وألحق بحلقتي عددًا من الطّلاب، أذكر منهم: الشيخ عبد الله أحمد باعفيف، مؤذن المسجد الحرام. وكانت هذه بادرة من أستاذي الأستاذ جميل؛ لأنّه يعلمُ حالي، فأراد أن يكون خير عونٍ لي على مواصلة طلب العلم، وعدم الانقطاع بسبب الأعباء الأسرية.

وفي النّاس مَن تحلو لك الحياةُ بهم، كقطعة سكّر في فنجان قهوة، أو ورقة نعناع في كوب شاي. وجودهم في حياتك، أضاف إليها تميّزًا بشكلٍ ما، وجمالًا بطريقة ما.

وفيما يتّصل بحفظ القرآن الكريم، فلا شكّ أنّ والدي حرص على أن أحفظ القرآن الكريم، وألزمني به في طفولتي، وبخاصة حين كنتُ في الصّفّ الثّاني المتوسط. واستخدم كلّ ما تفتقّ عنه ذهنه من أساليب التّرغيب والتّرهيب، فما أفاد ذلك معي. ولم أتجاوز فيما أذكر حفظ خمسة أجزاء في كلّ مرّة. ولكني حين غدوتُ إلى تلك الحلقات دون أن يدفعني إليها أحد، أتممتُ حفظَه. ودفعتُ بأبنائي إلى حلقات تحفيظ القرآن الكريم، فتفلّتوا من بين يدي، وشددتُ عليهم حتّى خشيتُ أن يكرهوا هذه الحلقات وأهلَها، فأرخيتُ لهم. بينما مضى وليد ابن أخي محمد، إلى حلقات التّحفيظ، وأتمّ حفظه دون أن يعلم به والده.

ولذلك؛ فإنّ التّوفيق بيد الله تبارك وتعالى، وليست (شطارة) من الأب، فقد يبذل كلّ جهده ووسعه في أبنائه، فلا يوفّق. وآخرُ قد لا يبذل شيئًا من ذلك، ويكون الولدُ مباركًا مسدّدًا. وأذكر مرّة دعاني ريّان محمّد غلام وأخوه راكان وهما أبناء أحد إخوتي الذين توفّاهم الله في مرض (الفشل الكلوي) أعاذنا الله، لأحضر حفل ختمهما لحفظ القرآن الكريم في جامع البديوي بحي جبل النّور، وكانا قد أتمّا الحفظ في حياة والدهما، ولكن ظروف مرضه حال دون أن يحتفل بهما، فاجتمع في الحفل عددٌ من أصدقاء والدهما، فأسرّ إليّ أحدهم وهو أكاديميٌ (دكتور) في التّربية، وقال: رحمه الله تعالى، أفلح أن يحفِّز أبناءه لحفظ القرآن الكريم، وما أفلحنا.

وفي واقعةٍ طريفةٍ لا أزال أذكرها: شاركتُ مرّة في رحلة تربوية في جنوب المملكة، وصادف أن اجتمع في ذلك اللقاء عددٌ كبيرٌ من أبناء العلماء؛ لا يكاد يوجد فردٌ فيها، إلَّا وأبوه إمّا أحد أئمة الحرم أو قاضٍ أو أستاذ جامعي في كلية شرعية، فلما انتهى المخيّم وخَبَرْنا أخلاق أولئك الشّباب المشاركين فيها؛ قال أحد المرّبين: لأوّل مرّة أتمنّى إنّي ما أصير شيخ!!

كانت ردّة فعل منه، وإلَّا فالهداية من الله تعالى، وبيده وحده أزمّة الأمور. وما من أحدٍ يرضى مختارًا أن يكون ولدُه سيئ الأخلاق، ولا يبذل وُسعَه في تقويمه وتهذيبه.

بذل الأسباب في تربية الأبناء له أهميةٌ بالغة، ولكن الأمر بعد ذلك كلّه لله تعالى. والدّعاء والتّضرّع بين يد الله، وإظهار الفاقة وقلّة الحيلة، والتّجرد عن الحول والطول= من أهم أسباب استدعاء توفيق الله تعالى، وعونه، وتسديده.

وقد استمعتُ مرّة إلى لقاء أُجري مع أخي الدّكتور علي ساموه، بعد أن حقّق اثنان من أبنائه (حسن وحسين) المركز الأوّل، كلٌ في فرعه الذي شارك فيه في (المسابقة الدّولية في جاكرتا). فذكر عوامل عدّة، وأكّد على توفيق الله، وأنّه هو العامل الرّئيس، وكل الأسباب تبعٌ له، فكان لقاءً موفّقًا. وإنجاز هذين الاثنين (حسن وحسين) حفّز أحمدَ ومحسنًا، فهما يسيران بخطوات ثابتة على خطّ شقيقيهما، ويحفز أبناء فطاني بخاصّة والتّايلانديين بعامّة.

حين أردتُ إرسال ولدي مالك (بعد أن أتمّ دراسته الثّانوية) إلى بانكوك؛ ليختار لنفسه إكمال دراسته أو سببًا من أسباب الحياة= سألني أحد أصدقائي مستفسرًا: ألا تخشى عليه أن يفسدَ في بانكوك (سيئة السّمعة)، وهو بعيدٌ عن رقابتك ورعايتك؟

فقلتُ: لا يختار مسلمٌ طوعًا أن يترك مكّة بإرادته، دون أن يُفرض عليه ذلك بشكلٍ ما. والحافظ هو الله، ولو كُتِب عليه الفساد، فسيفسد وهو في الغرفة المجاورة لغرفة نومي. والواقع أقوى شاهد!! وحسبي أنّي نشّأتُه على الاعتزاز بدينه، واحترام النّاس، وتقديرهم، وأن يكون دائمًا طيّبًا مع غيره. والحافظ هو الله، لا يُضيِّع –سبحانه- ما استودع من ودائع. ولو خُيّرت لاخترتُ أن يكونوا بجانبي، أستمتع بصحبتهم، ومطمئنًا في الوقت نفسه على حياتهم العلمية والاجتماعية. ولكن الحياة لا تُخيّرك؛ لأنّ المدبّر هو الله سبحانه، وعليك أن ترضى بقضاء الله، وتدبيره، وتتكيّف معه بما يرضيه سبحانه.

لا ينال المرء يا ولدي، في حياته كلّ ما يرجوه، وهذا أمرٌ ينبغي أن توطّن نفسك عليه، وأنّ الخسارة واردة. أن تخسر في علاقاتك الاجتماعية والعاطفية، وأن تتراجع في حياتك العلمية أو العملية. لذلك لا تربط سعادتك يا ولدي بامرأةٍ تشقى إذا غابت عنك، أو صارت إلى غيرك. أو وظيفة تضيق بك نفسك بفُقدانها.

الإنسان يتألم حين تتكسّر أحلامه على صخرة الحقيقة، وينفطر قلبُه إذا خذلَه الحبّ. ولكن يجب أن يتحلّى المرء في الحياة بالإيمان، تألّم وتوجّع، ولكن لا يطل بك هذا الأمر، وقم وتماسك. وخط بقلمك نقطةً في خاتمة هذه القصة، وابدأ سطرًا جديدًا.

ولا أخفيك سرًّا أنّ الأنثى التي خبأتُها في دفاتري وأنا صغير، وشكّلتُها من وجوه النّسوة اللاتي عرفتُهن في ذاكرتي الأدبية، ورسمتُ صورتها في كراستي= لا تزال حيّة بداخلي، تعيش في فكري، وتتجسّد في أحلامي. إذا أمسكتُ بالقلم وكتبتُ فإنّي أكتب بنبض قلبها، ومداد حبّها، وأنفاسها. وإذا قرأتُ فإنّي أقرأ بصوتها الذي يصلني مع الرّيح همسًا، ومع السَّحَر نغمًا، فيشرق النّور في فؤادي، ويرتجف دمي، ويرقُّ حتى يصفو شهدًا في فم الطّفولة الضّاحكة، والمراهقة الحائرة، والكهولة المطمئنة.

السّعادة يا ولدي، يجب أن تنبع من الدّاخل، اصنع سعادةً في روحك، تعيد إليك الطّمأنينة والأنس بالحياة. جزيرةً تفيء إليها، حين تضيق نفسُك، فتصفو فيها روحك.

واعلم، أنّ المركب الوحيد القادر أن يصل بك إلى جزيرة السّعادة، هو مركب الشّاكرين (بل الله فاعبد وكُنْ من الشّاكرين).

الأحد 11 ربيع الآخر – 8 ديسمبر

4 thoughts on “سطرًا جديدًا يا ولدي!!”

  1. “واعلم، أنّ المركب الوحيد القادر أن يصل بك إلى جزيرة السّعادة، هو مركب الشّاكرين (بل الله فاعبد وكُنْ من الشّاكرين)”.
    ختامها مسك كما عودتنا يا أديبنا العصامي.
    جميل جدا أن تكون عصاميا مثابرا مجتهدا في الحياة، صدقني يا أبا سفيان لقد ذهلت عندما علمت بالمهن التي امتهنتها، ولكن هكذا يبنى الرجال، وقد أثمر هذا البناء رجلا نافعا لأهله ودينه وأمته.
    ولا شك أن لذلك أكبر الأثر على أبنائك لينشأوا عصاميين كما كنت أنت.
    لك الله يا صديقي الوفي.

    1. حياك الله أبا محمد، أيها الأديب الأريب،،
      لستُ كما تزعم عصاميًا تمامًا، فالفضل كل الفضل -بعد الله- لإخوتي الذين التّفوا حولي، ولم يتركوني يوم كنتُ من أهل الصّفة. جزاهم الله عنّي خيرًا.
      أشكر لطفك الدّائم معي يا أبا محمّد، حفظك الله يا غالي.

  2. (وحسبي أنّي نشّأتُه على الاعتزاز بدينه، واحترام النّاس، وتقديرهم، وأن يكون دائمًا طيّبًا مع غيره).
    هذه هي القاعدة .
    “أنْ يعرف الولد ربه، و أين هو من الناس”
    فإن فعل فقد آن للمُربِّي أن يمدَّ رجليه ويتنفس الصعداء ..
    فالأصل أن يكفيه.. وما سوى ذلك فمِن جهد الولد بعد توفيق الله عز وجل ..
    وإن بدأ البحث عن أنثاه .. أو تخيَّلها ..
    فلا عليه أن يقلِّد أحدًا ..
    له أن يصوِّرها كما يشاء .. وله أن يحلم بمن يشاء ..
    لا أحد يراقب الأحلام .. ولا أحد يُحاسبه عليها .. فكل ما في الحلم مباح كما يُقال ..
    ثم إذا خرج لواقع الحياة أعمل عقله وكفَّ جوارحه .. ووضع حسبانه للحدود والسدود والقيود ..
    فما وُضعت إلا لانتظام الحياة .. وحفظ الحقوق .. وصيانة النفس والأعراض ..
    فإن فعل هذا أيضا .. فلا خوف عليه إن شاء الله ..
    فدِينُه يحمله على إكرام أنثاه لا يظلمها ..
    وعقلُه يُبقي على حصافته إن لم يَطَلْها ..

    جدارية موفقة يا أبا سفيان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *