لوني في الحياة!!

سأبعثُ للصَّدى لغَتي
بريدًا من شُعاعَاتي
وإخباتِي !
وأنحتُ غايتي بيديْ
على صخرِ الحقيقةِ ..
كي يَضِجَّ غديْ
حكاياتي مبعثرةٌ
وأسراري مخبأةٌ بها فكري
تغرِّدُني مسافرةً
تُنيرُ الدَّربَ للآتينَ ..
من تيهِ الغَياباتِ !
أنا حرفٌ وموسيقا
وشلالاتُ أغنيةٍ ..
على صحراءِ قافيتي
وخارطةٌ من الأوجاعِ ..
سِربٌ من عذاباتِ !
وصوتي مُثْخَنٌ بالبوحِ ..
لوني في كتاباتي !

هذه القصيدة سمّاها محمّد عمر (صداي)، والعنوان يدلّ على أنّها حديثُ نفسٍ، يُعدّد فيه صفات حرفه، ويرسم ملامح أدبه، ويختار له رسالةً في الحياة تُسمع، وتسير في النّاس (سأبعثُ للصَّدى لغَتي) الحرف يخرجُ منه حوارًا ومناجاة ومعاناة.

يردّد لغتَه في صدره، يسمع رجع موسيقاه حين تعود إليه، فترنّ في أذنه (بريدًا من شُعاعاتي)، يتأكّد من صفائها ونقائها، وقوّة النّور الذي يشع منها، مرّة بعد مرّة، وكأنّه يتراسل مع نفسه، فيغدو البريد بينهما ويروح.

ويضيفُ إلى لغته صفةً أخرى (وإخباتِي!)، فالصّدق إحدى تلك الأصوات التي تسكن حرفَه في مناجاته لنفسه، وتمتزج به، (وأنحتُ غايتي بيديْ) حتّى تأخذ بين يديه شكلها، وتُصَبُّ في قالبها، تمثالًا نحته من فكره، هو صنعة يده ونفخةُ روحه.

ولا يعيش (فلّاتة) في أفكاره في حقيقةٍ مطلقة، بل تموجُ داخله فتتكسّر (على صخرِ الحقيقةِ كي يَضِجَّ غديْ)، كل فكرةٍ لها قصة وحكاية ورواية، تتبعثر نهاياتها في بحار الحياة بحثّا عن الحقيقة (حكاياتي مبعثرةٌ)، فيعيد قراءتها مرّة بعد مرّة بعينٍ ناقدةٍ تزداد حِدَّة مع كل فجر جديد.

في هذه الرّحلات الليلية تتكوّن أسراره، وتتشكّل في فكره (وأسراري مخبأةٌ بها فكري/ تغرِّدُني مسافرةً/ تُنيرُ الدَّربَ للآتينَ من تيهِ الغَياباتِ!) يبدأ بعدها في التّعبير عن نفسه تغريداتٍ تسافرُ في مراكب المسافرين الحيارى الذين يسافرون بلا بوصلةٍ، فيأخذ عزفُه المتفرّد بدَفّتهم.

(أنا حرفٌ وموسيقا/ وشلالاتُ أغنيةٍ على صحراءِ قافيتي) عزفُه المنفرد حرفٌ يحمل فِكْرًا، وفيه شجنٌ فهو يُطرب، فيُطلق من الحناجر الآهات، ويذكي جَذوة النّار في فؤاد السّهر، فيديرُ عليهم كؤوسَه المترعةَ بالأوجاع. وموسيقاه تتدفّق في قوّةٍ وسلاسةٍ تدفُقَ الشّلال وأجيجَ صوتِه في الوادي، وفيها عذوبةٌ وصفاء، كعذوبة الماء، وصفائه. ولحرفه أصالة الصّحراء، ونقاؤها.

ثم هو في نهاية الأمر لسانُ الإنسانية في قضاياها التي تعبّر عنه كإنسان، فيتوزّع في كلّ شبرٍ فيها، يتقاسم مع الإنسان أوجاعَه، ويمتلئ بآلامه، فلا يكاد يُسمع له صوتٌ أو يُقرأ له حرفٌ إلّا وهو مثقلٌ بلون الدّم (وخارطةٌ من الأوجاعِ سِربٌ من عذاباتِ!/ وصوتي مُثْخَنٌ بالبوحِ لوني في كتاباتي!).

هناك عامٌ تسرّب منّي بعد أن تخرّجتُ من المعهد، جرّبتُ فيه أن أتعرّف لنفسي لونًا من ألوان الحياة، فأنا ربّ أسرة تتكوّن من زوجٍ وطفلين. وكنتُ في معهد الحرم أعطى معونةً شهريةً من (صندوق الطّالب)، أضيفُ إليها المكافأة التي رُتِّبت لي كمعلم تحفيظ للقرآن الكريم بجامع نايض الرّوقي، فينقص المجموع عن الألفِ خمسين ريالًا. وبعد التخرّج لم تبقَ في يدي إلَّا ورقةٌ واحدةٌ زرقاءُ، لا تُسعف في متطلبات الحياةِ بلونٍ آخر.

فالتحقتُ بالمدارس الخيرية للجالية البورمية معلمًا، ولكن الحياةَ مع الأطفال لم تناسبني، فلستُ بالذي يصبرُ على هذه الحياة الشّاقّة في معالجة عقول الناشئة، وتصحيح دفاترها، ولم أتمكّن من الولوج إلى عالم هؤلاء الأطفال المنغلق على لغته القومية. ولقد نشأتْ لي مواقفُ طريفة مع طلّاب هذه الجالية البورمية، أمسكُ عن حكايتها، حتّى لا يفهم عنّي أنّي أسخر منهم، أو أتندّر عليهم. وهي مواقفُ ذكّرتني بقصيدة إبراهيم طوقان حين عارض قصيدة شوقي (قم للمعلّم وفّه التّبجيلا)، التي يقول في أوّلها:

شوقي يقولُ وما دري بمصيبتي:
قُمْ للمعلم وفِّه التّبجيلا
اُقْعُدْ فديتُك هل يكونُ مبجَّلًا
مَن كان للنشء الصّغير خليلًا
ويكادُ يُفْلِقُني الأميرُ بقوله:
كاد المعلمُ أن يكونَ رسولًا
لو جرّب التّدريسَ شوقي ساعةً
لقضى الحياةَ شقاوةً وخُمُولًا

وكنتُ فوق ذلك دون دابّة تحملني من بيتي في شارع الحجّ إلى مدرسة أبي بكر الصّديق في وسط سوق حي النّكاسة الشّعبي، فضاعت المكافأة الرّمزية (750 ريالًا) في سيارات الأجرة التي تحملني ذهابًا وإيابًا. وكنتُ أصل إلى المدرسة متأخِّرًا فأجدُ إدارةً حازمةً فيما لها وعليها، فأقبض المكافأة في نهاية الشّهر (350 ريالًا)، فازداد حالي ضِغثًا على إبَّالة.

مكثتُ في مدرسة أبي بكر الصّديق شهرين فقط، عرفتُ فيهما عددًا من المعلمين الفضلاء، وتركتُ في بعض طلّابي أثرًا أحمدُ الله عليه، وهو أثرٌ دلّ هو عن نفسه، ولا أحكيه إذا حكيتُه إلَّا عن لسان الطالب نفسه. فلستُ أدّعيه، ولا أختلقه.

بعد ذلك اتّصلت أسبابي بأحد الباحثين الشّرعيين الأكاديميين، ولا أدلّ على اسمه؛ لأنّه قد لا يرغبُ أن يُدلّ عليه. هذا الباحثُ وضعني على أوّل الطّريق الذي ما زلتُ فيه حتّى الآن، وصنع منّي باحثًا في علوم الشّريعة. كان يعملُ في ذلك الوقت على تحقيق كتاب من كتب غريب القرآن الكريم، فاصطنعني على وظيفة مساعد باحث، وأعطاني أوّل الأمر البطاقات البحثية التي استخرج فيها كلّ الأبيات الشّعرية التي في النّسخة الخطية، وطلب منّي عزوَها إلى قائليها، وإثبات المصادر التي أنقل عنها.

فجعلتُ أتردّد على مكتبة الحرم بشارع المنصور، ومكتبة الفرقان بحي العوالي، والمكتبة المركزية بجامعة أمّ القرى بالعزيزية، ومكتبة آل ثاني بالجامع القطري بالعزيزية. ومن خلال هذه البطاقات البحثية تعرّفت على المصادر والمراجع، وكيفية التّعامل مع الأبيات الشّعرية من خلال دواوين الشّعراء التي تميّزت بها مكتبة الحرم، فوقفتُ فيها على مصادر نادرة. ولم نكن في تلك الفترة نتعامل مع البرامج الإلكترونية، بل كان التّعامل مع المصادر مباشرة، من خلال النّظر في قوافي القصائد الشّعرية، ومن ثمّ أتتبع أبيات القصيدة بيتًا بيتًا حتى أقف على البيت المنشود، فأجد حينها من لذة المعرفة ونشوتها ما يجلّ عن الوصف. وهو شيءٌ لم نعد نشعر به مع (المكتبة الشّاملة).

وبعد أن انتهيتُ من البطاقات الشّعرية، بدأتُ أتعامل مع بطاقات المفردات اللغوية، ثمّ الأمثال، ثم أقوال أهل اللغة. ثم تسلّمتُ النّسخ الخطية، وبدأتُ أقرأ المخطوطة سطرًا سطرًا أقابل بين نسخه الخطيّة، وأثبتُ الفروقات بينها.

ثم بدأتُ أتدرّب على تحليل عبارات المخطوطة، وقراءة ما بين الكلمات، وتحت الأسطر، وأستخرج الإشكالات العقدية واللغوية في المخطوطة، وأثبتُ كلّ ذلك في مذكّرات، أراجع بها الباحث الرّئيس، وأذاكره فيها، فأثبتُ منها ما نتفق على صياغته في الحاشية. قضيتُ في صحبة هذه المخطوطة الأولى التي عملتُ عليها قرابة سنتين، ثم استمرّ التّعاون بيني وبينه في أعمال أخرى ما يُقارب عشر سنوات. أنجزنا فيها أعمالًا عدّة، كل هذه الأعمال أودعت في خزائن مكتبات جامعة أمّ القرى، ولم يُطبع منها شيء.

عملتُ أثناء هذا التّعاون مع أبحاث جامعة أمّ القرى، باحثًا في موقع المنبر الإلكتروني، ثم باحثًا في إعداد برامج قناة المجد الفضائية، ثمّ باحثًا في مشروع تعظيم البلد الحرام، ثم باحثًا في مشروع (السّيرة النّبوية الشّاملة الكاملة)، ولا أزال فيه إلى هذه السّاعة.

وكتبتُ في فترات متباعدة مقالاتٍ في الصحف السّيارة في قضايا اجتماعية بأسماء مستعارة، فنشرت مقالاتٍ عن المرأة باسم (لولو الحربي)، ومقالاتٍ عن الأخلاق الاجتماعية باسم (ناثر العمّار)، وجمعتُ تلك القُصاصات في ملف أزرق اللّون، ضاع مني كما ضاع الدّفتر الأزرق.

ولم أتوقّف عن العمل في المجال البحثي أبدًا من حين بدأتُ أخطو فيه الخطوات الأولى التي كنتُ أتلمسُ فيها طريقي وأتبيّن معالمه، حتّى أثناء الفترة التي عملتُ فيها مديرًا تنفيذيًا لهيئة الإشراف على مدارس الجاليات الخيرية (1423/ 1426)، لم أتوقّف عن التّعاون مع جهات بحثية.

وهذه الخبرة البحثية التي كوّنتُها من خلال عملي الذي أتسبَّب منه؛ سهّل عليَّ إنجاز مشروعاتي البحثية في (الماجستير والدّكتوراه) في وقتٍ قصير، فقد أنهيتُ كلا البحثين في فترة زمنية لا يزيد كلّ منهما على حدة= عن خمسة أشهر. ولولا الإجراءات الإدارية، وتعنّت المجالس البحثية في قبول الموضوعات الأكاديمية؛ لحصلتُ على (الدّكتوراه) قبل خمس سنوات على أقلّ تقدير، تحدُّثًا بنعمة الله عليّ في هذا اللّون من الحياة. والحمد لله على فضله وإنعامه.

الخميس 8 ربيع الآخر – 5 ديسمبر

4 thoughts on “لوني في الحياة!!”

  1. رائع هذا السرد الشيق عن التجربة العلمية والتعليمية والتحولات التي تطور القدرات، وتصقل المواهب ..
    أحيي هذا الزخم المعرفي لديك أخي عدنان ..
    وشكرا على القراءة حول نص (صداي) في مطلع الجدارية، لوني في الحياة.

    1. أهلا بأبي الوليد،،
      اللقاءات النّادرة التي نسرقها من زحمة الحياة، بعد أن جمعتنا يومًا في لقاءات شبه يومية= تجعلنا نشعر بمساحة الزّمن، وامتداده، وحجم ما فاتنا لحظات البهجة والسّعادة التي كنّا نتشاركها معًا في تلك الأيّام. فالوليد مثلًا الذي كان يدرُجُ في مجالسنا، ونحمله فيتعلّق بنا= غدا رجلًا ملء السّمع والبصر.

      لذا؛ فإنّي في هذه القراءات لبعض قصائدك؛ أعيد قراءتك من جديد، وأتبيّن أثر هذه المساحات الزمنية التي تمثّل غياب متابعة التغييرات الفكرية والثّقافية والاجتماعية لكلينا= على حرفك الجميل،،

  2. صباح الخير أيها البحار بين أمواج الحياة العاتية، فساعة يغلبها، وتغلبه ساعات وساعات.
    سيرة عطرة ثرة.
    نفعك الله ونفع بك يا عزيزنا، وحفظك وعائلتك ومن تحب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *