النّسخة غير المنقّحة!!

هكذا جئتُ وحيدًا
غائبًا عن كُنهِ ذاتي
ليس لي معنًى
ولا لي جِهَةٌ
ساذجَ الطَّبعِ
حدُودي وطني
أتسلَّى كأراجيحِ الطُّفولةْ
كنتُ طيشًا ..
أقرأُ الناسَ جميعًا
أنبياءْ
لم أكنْ أعلمُ أنِّي بُرعمٌ ..
وقريبًا
كلَّما شبَّ ارتقائي
وامتدَادي
كلما أتقنتُ رسمًا
للحياةْ!

هذه مصافحة أولى لأولى قصائد ديوان الصّديق الشّاعر أبي الوليد محمّد عمر فلاتة (عزف القناديل)، يعبّر فيها عن نفسه في (عزفٌ أوّل) فتجده يقول: أنّه وُلد ساذجًا بلا ملامح، وُلِد نبيًّا ويقرأ النّاس أنبياء، الوطن عنده حجَر أمّه وأراجيح طفولته. أمّا الحقيقة التي تكشَّفت له؛ فهي أنّه برعمٌ في هذه الحياة، وأنّه كلما مضى زمنٌ أخذت صورتُه تتشكّل، وأخذت هويتُه ملامَحها.

هذه الحياة أختصرها أنا في أنّ (الإنسان هو الحياة)، فهي أكبر من أنّ نختصرها في شبرٍ من أرض، أو جواز سفر، أو هوية وطنية.

إذا فهمتَ الحياة غدوتَ إنسانًا حُرًّا، إنسانًا كاملًا، إنسانًا يُدرك أنّ هذه الحياة لم توجد عبثًا، وهذه الطبيعة لم تطبع نفسها، والذي خلقها أرادك (وأنت في جملتها) أن تحياها بروح من الإله، أي: خليفةً له في الأرض، تتلمس مراد الله في كلّ شيء، فتقيمه، وأنت ترجو عونَه وتوفيقَه وسدادَه. فإذا أدركتَ هذه الحقيقة وآمنتَ بها عشتَ في لذة وسعادة، وإن كنتَ أفقر النّاس. وإن غابت عنك هذه الحقيقة؛ عشتَ في شقاء وبؤس، وإن كنتَ أغنى النّاس !!

يسافر في الثّالثة فجرًا أخي أبو هيثم إلى بانكوك، ليلتحق بأبنائه في فطاني جنوب تايلاند، وأفترضُ أنّ ابني مالكًا سيكون في استقباله ويقوم بأداء حقّ الوالد على ولده؛ لم أوصه في هذا الأمر، وأرجو أن يكون عند حسن الظّنّ كما عوّدني دائمًا هو وإخوته.

شقيقي أبو هيثم محمّد السّيامي، هو الابن الثّالث في عائلة (السّيامي) التي سكنت جبل أبي قُبيس، أعسر، حبَّب إليَّ القراءة، وعلّمني (لعبة البلوت) دون أن يقصد، وجدتُ في أوراقه تلخيصًا لأهم قواعد هذه اللّعبة، فحفظتُها وبدأتُ أراقب الذين يلعبون البلوت في منزلنا من رفاقه ورفاق شقيقي الأكبر أبي إياد، فألممتُ بقواعد اللعبة، وأدركتُها.

عرّفني أبو هيثم على أصدقائه الذين اصطحبهم معه إلى المنزل، وكان يقدّمهم إليّ بعد أن يفرغ من الحديث معهم، فتعرفتُ على ماجد وسعد وسمير وأيوب الموهوب وتان تان، ثم عرّفني على المغامرين الخمسة والشّياطين 13، ثم على مارك توين وأجاثا كريستي وأرسين لوبين وأرنست همنغواي في (ثم تشرق الشّمس)، وأصبتُ في تلك المرحلة بحيرةٍ في ذاكرة طفولتي عن حياة الأنثى التي توزّعت بين حبّها لرجل لا يستطيع أن يلبّي حاجات جسدها، وآخر لا يرى فيها إلّا جسدًا، فيُشبعها.

وعرّفني على منى غزال في ديوانها (المجنونة اسمها زهرة عبّاد الشّمس)، فأحببتُ من يومها شعر النثّر. وبدأتُ أكتبه، وأقرأ فيه. ولا زِلتُ محتفظًا بنسخة أبي هيثم من ديوانها الذي صدر عام 1983م. وعلى الشّبكة العنكبوتية قصائد من الدّيوان بصوتها، والتي علقت صورٌ منها في ذاكرة طفلٍ سحره وقع الكلمة دون أن يفهم معناها (وأنتَ تصطاد الفراشات التي سقطت في دمي)، (خنتك في الذّاكرة).

كان الشّقيق الأكبر الذي عشتُ في ظلّه الأدبي، وأمسك بالقلم لأحاكي جمال حركة قلمه ورشاقتها، فكنتُ النّسخة المليئة بالعيوب. وكان الولد المدلّل لوالديه، والمفضّل عندهما، والأثير عند شقيقته الكبرى التي رَعَتْه كابنها، ولا تزال ترعاه، وتخصّه بمزيد حنان، لا تملك له دفعًا ولا حيلةً فهو البكر في أبنائها.

كنّا ولا نزال نختلف في تناولنا للأمور، ولا نتفق في أمور كثيرة، ولا يستقيم لنا معالجة الأمور القليلة التي تتقاطع فيها أفكارنا، ولكن الحبّ هي اللغة التي نتوسلها بيننا، يحبّني على طريقته، وأحبّه على طريقتي، وأجده قريبًا وبعيدًا في الوقت نفسه، أحاوره فأجده رجعًا لصدى أفكاري، ويحاروني فأخفض رأسي ليربّتَ بيده عليه.

ورثتُ الأدب عنه وعن شقيقنا الأكبر أبي إياد شكري. والحديثُ عن أبي إياد ليس حديث الشّقيق عن شقيقه، وإنّما حديث الولد عن والده. فقد أخذ على عاتقه تهذيبي ورعايتي وتقويمي وحمايتي، ففي صغري أصبتُ بمرض البلهارسيا فكان يحملني ويتردّد بي على المستشفيات، قد تحمّل عبئي في سنّ مبكّرةٍ، ولم يتبرّم بي يومًا.

وفي مكتبته الأدبية الضّخمة كتبٌ لم أتمكّن أبدًا من الاستمتاع بها في تلك الفترة، ولكني عرفتُ أسماءها مثل (البخلاء) للجاحظ، الذي حاولت مرارًا أن أقرأه؛ لأنّ ماجدًا رسم لنا حكاياته، مصحوبةً بتعريفٍ عن الجاحظ، ورسم لنا صورته الجاحظة العينان. فأردتُ أن أستزيد من تلكم الحكايات، فلا أقدر أن أتهجّى كلمةً من لغة الجاحظ.

تخرّج أبو إياد في جامعة أمّ القرى عام 1403، وقد تخصّص في الأدب العربي، وكان شاعرًا يقرض الشّعر عن خلجات نفسه، وينشر بعض تلك القصائد في المجلّات السّيارة في تلك الأيام، وأصدر هو ورفاق حرفه مجلّةً أدبية أسموها (الشّروق)، كان أبو إياد يتولّى إخراجها وكتابة قصائدها على الآلة الكاتبة. وأذكر أنّي رأيتُ قصيدةً منشورة في (مجلّة سيدتي) عُنون لها بـ (قصيدة الأسبوع)، يذكر فيها الشّطآن المنسية وصوت النّوارس والرّياح التي تهب برائحة الحبيب، وذُيلت باسم الشّاعر (البحّار، شكري السّيامي)، فامتلأتُ به فخرًا. لقد امتلأ هذا البّحار بحبّ البحر وطبيعته، فصوّره في قصائده فتاةً يتغزّل فيها، ويكشف السّتر عن محاسنها.

وكنتُ إذا جلستُ بين رفاقي أتقمّص صورته الشّاعرية، وأعيش شخصيته بينهم، فأخي شاعرٌ ولا بدّ لي أن أكون بين الرّفاق شاعرًا، نبيًّا يبشِّر بالحبّ، ألم يبشِّر نزارٌ بالحبّ!! هكذا رأيتُ المنمنات التي ترسم المرأة في دواوين نزار في مكتبة أبي إياد.

ترك أبو إياد أثرَه على أبي هيثم، وترك الاثنان أثرهما عليّ في فكري ووجداني وسلوكي وأخلاقي، أفكّر بالطريقة التي يفكِّرون بها، وأتكلّم بصوتهما.

سأل أبي أخي أبا هيثم وهو صغيرٌ وأنا شاهدٌ: ماذا تريد أن تكون؟ فأجابه: أريد أن أصبح موهوبًا (كاتبًا). فقال الوالد: يكفينا موهوبٌ واحدٌ.

أستعيدُ هذا الحوار بينهما، فأفسّره بفخر أب بابنه الشّاعر، وإرادة إخراج الابن الآخر من عباءة الشّقيق الأكبر.

هؤلاء (الأب الشيّخ الفقيه الشّافعي، والشّقيق الشّاعر النّحوي، والشّقيق الآخر الكاتب القاصّ الفنّان)= هم التّوليفة (المِكس) للملامح الرّئيسة لشخصيتي العلمية والأدبية والاجتماعية، وإليهم أعزُو الفضلَ -بعد الله- في كلّ نجاح تحقّق، أو إنجاز تيسّر. ولولا أننا عائلة أحبّت الخمول في الذِّكر، والعُزلة عن الحياة الاجتماعية العامّة، لبرزوا خارج دائرتهم الاجتماعية الضّيقة.

ولكن الذي قطف ثمرة علمهم وأدبهم وجهدهم هو النّسخة غير المنقّحة عنهم.

الأربعاء 7 ربيع الآخر – 4 ديسمبر

6 thoughts on “النّسخة غير المنقّحة!!”

  1. أهلا بك يا صديقي!
    إذا فعلمك وأدبك كان وليد بيئة خصبة.
    هنيئا لك بأسرتك المثقفة، وبإذن الله سيسير أبناؤك على الطريق ذاتها.
    وفقكم الله ورعاكم بعينه التي لا تنام.

    1. اللهم آمين، وإيّاكم يا غالي،
      بالفعل، وأدينُ لهم -بعد الله تعالى- بكل الفضل. وأرجو أن أكون جديرًا بإرثهم،،

    1. أنا بطيء نوعًا ما في قراءة الدواوين؛ لأنّي أستمتع بقراءتها، فقليلًا من الصّبر يا عُمري!!

  2. الحقيقة احب ان اقرا جدارياتك بحب وشغف واستمتع بقراتها نعم الأخ والصديق والمربي افتخر بمعرفتك

    1. أهلا بأبي سعيد،،
      والله يسعدني أن تحظى جدارياتي بهذا الاحتفاء،
      وإن الفخر كل الفخر يوم أن شرُفت بك أخا وصديقا.
      وأرجو أن تتقاطع دروبنا من جديد يومًا ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *