العين اليُمنى!!

– إنّه لا يحلّ أن آخذ منه شيئًا.

قالها معلم الكّتاب لنفسه، وهو ينظر إلى الصّبي اليتيم الذي قدمت به أمّه من اليمن إلى مكّة، وأسلمته إليه في كُتّابه، (لقد كِدْتُ أن أرفضه لفقره ويُتْمِه)، ولكن الصّبي يحفظ كلّ ما يسمعه، ويعيده على وجهه. فكان يسمع تلقينه لصبيٍّ الآيةَ، فيحفظها، ويُملي عليهم ما يكتبونه، فإذا فرغ من إملائه؛ وجده قد حفظ كلّ ذلك. فصار يكلّفه في غيابه بترداد ما أملاه عليهم، فيحفظونه منه. ولقد كان حريًّا به أن يبذل للصّبي أجرة مساعدِ كُتَّابٍ، لا أن يأخذ منه أجرةَ تلميذٍ يتعلّم فيه.

كان في العاشرة حين قدمت به أمّه الأزدية من اليمن. خافت عليه الضّيعة عن محتده بمكّة، فهو يتّصل في نسبه بالمطّلب بن عبد مناف، عمّ عبد المطلب بن هاشم جدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم. وُلد بغزّة، ثم انتقلت به أمّه إلى قبيلتها أزد اليمن بعد أن تيّتم وهو في الثّانية، ثم أقدَمْته مكّة وهو ابن عشرة ليتّصل بقريش.

كان فصيحًا، بليغ اللّسان، عذب المنطق، قد انصرفت همّته بعد أن حفظ القرآن إلى العربية، فرحل إلى هذيلَ في باديتها، يتعلّم كلامها، ويأخذ بطبعها وسليقتها، وكانت أفصح العرب، يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم، ثم رجع إلى مكة، وبدأ ينشد بها أشعار هذيل وأخبارها، وكانت هذيلُ تحضر مجالسه، وتصحح لغتها على منطقه. يقول الأصمعيّ: أخذتُ شعرَ هذيلَ عن الشّافعيّ.

فأبصره يومًا شيخُه مسلم بن خالد الزّنجي، فقال له: يعزّ عليّ ألَّا يكون مع هذه اللّغة وهذه الفصاحة والذّكاء= فقهٌ.

فاستشاره الشّافعيُّ، فأشار عليه بإمام دار الهجرة مالك بن أنس، فأقبل الغلامُ على صحائف الموطأ، فاستظهرها في تسع ليالٍ، وكلّ ذلك قبل أن يحتلم. واحتال بأسبابه حتى طرق دار مالك بن أنس، فخرج إليه، وكان شيخًا طويلًا تتجلله المهابة والوقار، ولا يُقرئ حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجالس خاصّة، بل يجلس للنّاس في مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم في يوم معلومٍ فيُحدِّثهم. ولكنّ مالكًا كان ذا فِراسة، فلما استمع إلى الغلام وهو ينتسب إلى المطّلب بن عبد مناف، ويقصّ عليه سبب خروجه من مكّة، تأمّله مالكٌ، وقال: ما اسمك؟

– محمّد.
يا محمّد، اتقِ الله، واجتنب المعاصي، فإنّه سيكون لك شأنٌ. نعم وكرامة، إذا كان غدٌ تجيء، ويجيء معك مَن يقرأُ لك.
– لا عليك أن تسمع قراءتي، فإن سَهُل عليك، قرأتُ لنفسي.

فأعاد مالكٌ النّظر فيه، وتأمّله فما أبان له سنّه عن مقدرةٍ، فقال: اطْلُبْ مَن يقرأُ لك. فأعاد عليه الغلام: لا عليك أن تسمع قراءتي، فإن سَهُل عليك، قرأتُ لنفسي.

فأذِنَ له مالكٌ، فغدا عليه الغلامُ ليقرأ وكان يتهيَّبه مهابةً عظيمة، فكلّما شعر بطول المجلس وأراد أن يقطع القراءة، قال مالكٌ: يا فتى، زِدْ. وذلك لحلاوة قراءته وقوّة إعرابه، حتى أتّم قراءة الموطأ في أيّام يسيرة.

كان الإمام أحمد يصف صوت الشّافعيّ إذا تكلّم بصوت الآلة الموسيقية، يقول: كان الشافعي إذا تكلَّم، كأن صوته صوت صَنْج وجَرَس، من حسن صوته.

لم يُتمّ الشّافعي العشرين من عُمُره، حين قال له شيخه: مسلمُ بن خالد الزّنجي: لقد آن لك أن تفتي.

وقدم أحمدُ إلى الحجّ، فرأى الشّافعيّ في صحن الكعبة المشرّفة، فاستمع إليه، ولزمه، وترك مجالس السّماع في حلقة سفيان بن عُيينة، فافتقده إسحاق بن راهُويه في تلك المجالس، وبحث عنه، فوجده في مجلس الشّافعيّ، فعاتبه: تترك مجلس سفيان، وتجلس إلى هذا الفتى الذي ما طرّ شاربه!!

فقال أحمد: اسكُتْ، فإنّك إن فاتك حديثٌ بعلو، تدركُه بنزول، ولا يضرّك ذلك في دينك شيئًا. أمّا إن فاتك عقلُ هذا؛ أخاف ألّا تدركه، ما رأيتُ أحدًا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى!! لقد كان الفقه قفلًا ففتحه الله بالشّافعيّ. وما مسّ أحدٌ محبرةً ولا قلمًا إلَّا وللشّافعيّ في عُنقه مِنَّة.

وعاتبَه يحيى بن معين مرّة حين مشى على قدميه والشّافعيّ على بغلته، فردّ عليه أحمد: لو أراد يحيى الفقه؛ فعليه أن يمشي من الجنب الآخر.

هذا محمّد بن إدريس الشّافعيُّ بلغ الإمامة في الدّين وهو دون العشرين من عُمُره= أقدّمه نموذجًا لكم يا أبنائي للهمّة العالية، وأرجو أن يكون علامةً بارزةً في حياتكم. وبخاصّة أنتما (سفيان ومالك)، فهذا الإمام كان سببًا رئيسًا في اختياري لأسمائكما، يقول الشّافعيّ: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.

فكنتَ أنتَ يا سفيان المولود الأوّل الذي أطلّ على عالمي الصّغير فأضاءه بصرخته في الخامس من جمادى الأوّلى 1415هـ. نسمةً مباركةً رقّقت حاشيتي، فحملتُك في يديّ، وانتحيتُ بك رُكنًا خاليّا وأذّنتُ في أذنك اليُمنى. أنتَ الوحيد من بين إخوتك الذي أسمعتُه الأذان ليسكن بين يديّ اللّتين ترتجفان وهما تحملانك. كان قلبي يخفق بشدّة؛ إذ كنتُ أختبرُ مشاعر الأبوّة لأوّل مرّة.

لقد وُلدْتَ في المنزل الذي دَرَجْتَ فيه فيما بعد، وعشتَ فيه طفولتك، لمّا شعرت أمّك بآلام الطّلق كان الوقتُ قد فات، ولم يعد بالإمكان أن نذهب بها إلى المشفى، فاجتمعت النّسوة بالدّار؛ أمّي وعمّتي وخالة أمّك وأمّ هيثم، وطبيبة من عيادات الدّكتورة سعاد، فلمّا أطلقتَ صيحتَك؛ اقتحمتُ هذا الجمع من النّساء، وحملتُك إلى المكتبة، وأذّنت في أذنك وأنت تبكي، حتّى سكنت رُوحك، وكأنّك علمتَ أنّك في أيدٍ أمينة.

وبعد أيّام ظهرت عليك علامات الاصفرار، فأخذنا نشمِّسك صباحًا ومساءً، حتّى ذهبت عنك خلال أيّام، كنتُ يومَها في الصّف الأوّل الثّانوي، وأتسبَّب في سيارة أجرة ليموزين (ليموزين الرّويزن)، ولكنّي لم أستمرّ في هذا العمل طويلًا؛ إذ كان شاقًّا بالنسبة لي، ولم أعهده، وكنتُ أتعرّض فيه لبعض الفتن.

أمّا أنتَ يا مالك، فقد ذكرتْ والدتُك أنّ استهلالك بالصّراخ كان متزامنًا مع أذان المغرب الذي آذن بدخول ليلة السّابع والعشرين من رمضان 1417، في سنتي الأخيرة بمعهد الحرم الشّريف. وُلِدْتَ في مستشفى النّور التّخصصي، ولم أتمكّن من رؤيتك إلَّا في اليوم التّالي، وعُدْتُ بك إلى البيت، حيثُ انتظم عقدُنا بك، وكان مقدَمُك بهجةً وعيدًا.

أمّا لماذا قدّمتُ اسمَ (سفيان) على اسم (مالك)، على الرّغم من أنّ الشّافعيّ قدّم مالكًا في عبارته: (لولا مالك وسفيان)؛ فلأنّ أهلَ مكّة لا يقدِّمون على أبناء مكة أحدًا، وسفيان بن عيينة مكّيٌ فتقدَّم في التّسمية على مالك بن أنس (رحمهما الله، ورضي عنهما).

وأهلُ مكّة يُقدِّمون في الفضل مكة على المدينة، تمامًا كما يُقدِّم أهلُ المدينة في الفضلِ المدينةَ على مكّة، وقد سمعتُ بعض طلبة العلم الفضلاء يقول في مجلسه: مكّة والمدينة عينان في رأس، والمدينةُ العينُ اليُمنى!!

فهل تصدّقون هذا القول!! ما أعجبَ هذا القول!!

الثلاثاء 6 ربيع الأوّل – 3 ديسمبر

12 thoughts on “العين اليُمنى!!”

  1. ما شاء الله من أجمل ما قرأته من جدارياتك يا حبيبنا، وأشعر بالصدق في كل حرف من حروفها.
    حفظك الله، وحفظ جميع أفراد عائلتك المباركة، وجعلكم من عباده الصالحين.

  2. اللهم احفظ ابنائنا من شرور أنفسهم وان يثبتهم على الدين وان ينفع بهم الإسلام والمسلمين

  3. اسأل الله العلي القدير ان يصلحهما ويحفظهما لك وان تراهما وقد علا شأنهما كما علا شأن مَنْ تسمَّيا بهما.

  4. – بابا .. أنا أحبك
    – أنا ما أحبك
    – ليه؟
    – أنا أحب يانو
    انتفض الصبي ضاحكًا من مقعده الخلفي نحو أبيه الذي يقود🚘، وطبع بيده الصغيرة ضربة على قفا والده قائلا: طيب .. (هو نفسه 😁)

    كنتُ ثالثكما في “التيرسل الأخضر” وأنا أراقب حواركما ومداعباتكما لبعضكما البعض يا سفيان ..
    وعلاقةً جميلةً ومتميزة بين الأب وابنه الذي يحسن التمييز ولم يبلغ سنه بعد ..
    علاقة لم أعهدها من قبل .. ولا عرفت مثلها بين الجماعة وغيرها في ذاك الوقت .. فليس بينهما أيُّ جدار أو حاجز .. والحال مستمرٌّ كما أظن ..

    الشافعي نتاج بصيرة أمه وفراسة شيخه الزنجي ..
    وإمامتُه تمَّت صناعتها من أطراف عدة .. ولا شكَّ أنه نفسه أحد تلك الأطراف ..
    لا يسَع لأي أحد أن ينطلق لمعترك الحياة دون أن يأخذ بيده أحد ..
    أو أن يُترك هكذا في منتصف الطريق .. لا يتجه إلى شيء ..
    أن تكون طرفا فعَّالا في صناعة نفسك لهو أمر عسير .. لكنه ليس بمستحيل ..
    فقط نسأل الله التوفيق ..
    مرَّت الأيام سريعة وأنا أشاهد مقطعا لك أرسله لنا والدك وأنت معتلي المنصَّة ترطن بغير لغة القوم ..
    فسبحان الذي فتح عليك وبصرَّك.
    هل هذا هو “يانو” الشرس ..؟!
    نعم .. كنت ظريفا في صغرك؛ لكن صعب المراس ..
    أقرُب منك حينا وأتحاشاك أحيانا ..

    أما وإنه قد استتم لك ربع قرن من عمرك، فلا شك أن “يانو” شخص آخر ..
    فقد صقلته التجارب وصنعته الأيام وعجنه الاغتراب ..
    هو اليوم ذاك المكافح وصاحب الأعباء وحامل الراية ..
    غَضَّ والدك الطرف يوم أن عبثت بقفاه في صغرك .. ذاك أنك ولده العود كما تقول ..
    لكن لا أشك أيضا أنك كنتَ دائما عينه اليمنى.

    1. إنّه العين اليُمنى،،
      كان يجيد الحوار في صغره، حين أصطحبه معي، شريطة أن يكون رائق المزاج، لم يذهب إلى المدرسة يومًا مبتسمًا، ولا رأيتُ له دمعةً إلا يوم أن شكّه طبيب الوحدة الصحية بإبرة في (العضلة)، أنّ متوجعًا وهو ينظر إليّ بعينٍ فيها لومٌ وعتبٌ، فهل كانت دمعتُه من وخز الإبرة، أم من انكشاف (العضلة) للغريب وإن كان طبيبًا.

      كان ظريفًا ولا يزال، أذكر أني اصطحبته مرّة ليزور مكتبي في العمل، وكنّا في بدايات عملنا في (مشروع تعظيم البلد الحرام)، وكنتُ متشبعًا بقيم تعظيم مكة وقداستها وطهارتها حسًّا ومعنًى، فلما نزلنا من السيارة، ومشينا إلى مقرّ العمل، أخرجتُ من جيبي منديلًا، واستخدمتُه، ثم ألقيتُ به، وانصرفتُ، وبعد بضعة خطوات توقّفتُ، ورجعتُ إلى المنديل، والتقطته، وأدخلتُه في جيبي (وكان هو وأخو مالكٌ يمشي إذا مشيتُ ويقف إذا وقفتُ. ويرقبُ المشهد الذي كان مني حين توقّفتُ ورجعتُ إلى المنديل)، فلما رآني أضع المنديل في جيبي. صرخ بصوتٍ عالٍ وهو يضجّ بالضحك، ويصفق بيديه قائلًا (أحلى تعظيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييم)، وكان بجانب المنديل الملقى علبة (سفن آب)، فأضاف ساخرًا: شيل السّفن.

      وكان أيضًا شرسًا وبخاصة في الملعب، كان لا يفرّق أثناء اللعب من يقف أمامه، أو من يخطئ في تمريرة أو تسديدة، أخوه .. أبوه .. عمّه .. خاله .. الكلّ عنده سواء، يجحظ بعينيه، ويرفع يديه. ولكنه كما يُروى عنه من أصدقائه، رقّت حاشيته، هذّبتُه الغُربة، والاحتكاك بالجنسين.

      ومن بواعث فخري به مؤخّرًا حوارٌ ثلاثي جمعني به وعمّه أبي هيثم، حول الهوية الفطانية في المجتمع التايلاندي البوذي، ومفهوم الوطنية عنده. فأبان عن رؤية معتدلة، ومقدرة في قراءة الواقع، والخروج بأدبيات أتفق أو أختلف معه فيها، لكنها تدلّ في طرحها على وعيّ وإدراك. فقلتُ له: الآن لأوّل مرّة أشعرُ بجانبك الثّقافي الأكاديمي.

      شكرًا فخرو لإثارة ذكرى جميلة لولدٍ جميل، كنتَ دومًا حاضرًا بجانبي، وتشغل حيّزًا كبيرًا في حياتهم،،

    2. لك وحشة يا عم فخرو… الله يعطيك الصحة والعافية…
      جزاك الله خير.. الله يجمعنا بكم على خير …
      هههههههه افتكر فعلاً كنت ذا مزاج عكر في أغلب الأوقات والوالد كان يصبر علي كثير.
      والحمدلله ورغم أني أعرف أنه عصبي وأكلت منه ضرب كثير بس الحمدلله ما ضربني قدام الناس.
      الله يعطيه الصحة والعافية وأعتقد أنه غض الطرف في ذلك اليوم لوجودك معنا فالحمدلله.

      1. أطال الله عمرك وعمر والديك في طاعته يا يانو ..
        ولكم وحشة أكثر والله .. فلا تبعد القلوب عن المودَّات وإن ابتعدت المسافات ..
        الأبناء مهما كبروا فسيبقون صغارا في عيون والديهم ..
        فلا تستغرب إن لوَّح لك اليوم بعصاه، ثم يذهب بك من الغد إلى سوق الصاغة؛ لتختاروا معا (الخاتم المنشود) لمن تريد إلباسها إياه ..
        هكذا هم .. يرونك بعين ثم يرونك بعينٍ الأخرى ..
        وإن لم يعترف بعضنا على نفسه بفعل السنين به ..
        حفظكما الله من والد وولد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *