نقطة تحوّل!!

كنتُ في اللّيلة التي عُدتُ فيها من لقاء (نادي الزّهور) الذي كان في سطح دار أبي مهند عبد الله قدح بحي الرّصيفة، أتبيّن أين أقف على خارطة الحياة، وإلى أين أمضي؟

دخلتُ البيتَ مارًّا بغرفة والدي، وصعدتُ إلى السّطح، وجلستُ أعيد التّفكير والتّأمل، كان ذلك عام 1990، وكنّا نسكن في تلك الأيّام بيت أبي فيصل إسحاق فلمبان بريع الحدّادة، بصفة مؤقتة؛ لقد أتممتُ 18 عامًا وما زلتُ بلا هدف، وأتعثّر في دراستي ولا أتبيّن فيها سبيلًا أمضي فيه. وصدح أذان الفجر وأنا غارقٌ في التّفكير، فلملمتُ نفسي، وقررتُ أن أتغيّر، فقد مللتُ كلّ شيء، مللتُ السّهر مللتُ البلوت، ومللتُ الرّكض خلف الكرة، ولم يكن في قلبي شجوٌ يُعكّر صفاء ذهني. فقررتُ أن أقصد المسجدَ القريب وأصلي مع المسلمين، فلما مررتُ بغرفة والدي انتَبهتُ أنّه لا زال نائمًا، فطرقتُ عليه البابَ، وأصغيتُ بسمعي فلما سمعتُ صوتًا؛ قلتُ: لقد أُذِّن للفجر. ثم مضيت.

يُحدّثني أحد إخوتي بعد زمن، عن أثر طرقة الباب هذه، أنّه وجد والدتي ضًحى متأثّرةً، فسألها عن حالها، فقالت: لقد أيقظ أخوك فلان أباك لصلاة الفجر!!

بدأتُ أقلّب مكتبة والدي، أحاول أن أقرأ شيئًا يُعزّز ما بدأ يدبّ إلى قلبي من خشوع وسكينة، وإقبال على الصّلاة، وانصراف عن اللّهو. فوقعت يدي على كُتيّب صغير (عذاب النّار وأهوال يوم القيامة) للشيخ محمّد متولي الشّعراوي (رحمه الله)، قرأتُه في ليلةٍ، وكنتُ أراجع والدي في أحرفٍ فيها، فأجد عنده جوابًا لحيرتي.

لا أذكر ما قلتُ وما قال لي، ولكنّي أتذكّر أنّ الشّعراوي حافظ على جذوة اليقظة بقلبي مشتعلةً، ظللتُ طوال هذا الفصل الدّراسي الأول لعام 1411، بين مدّ وجزر، أواظبُ على الصّلوات في المسجد زمنًا، ثم أحنّ فجأةً إلى لعب الكرة ويشتدّ الحنين، فأذهب إلى فتيةٍ من طلّاب ثانوية الملك عبد العزيز سمير غويدي وبدر بلغيث وعبد العزيز الزّهراني ومعهم أخٌ بلوشيٌ نسيتُ اسمه، كان من ألطف الزّملاء. وإذا اشتقتُ إلى لعب البلوت؛ مِلْت إلى بشكة صغيرة يجلسون في كازينو الدّيوانية الذي تحوّل موقعه اليوم إلى مطاعم البيك بالعزيزية عند مركز عطا الله التّجاري السّكني، فأجلس إلى الرّفاق حلمي دحلان وشكري البورش وأحمد بنجر. أذكر ليلةً سهرتُ على سطح منزل صديقي شكري البورش أستمع معه إلى (موسيقى هادئة)، ألطّف حنيني إلى الأغاني، وغلبني النّوم ليلتها فنمتُ، حتى أشرقتِ الشّمس.

وفي كلّ ذلك الذي يصيبني من التّذبذب، لم أتّجه مرّةً إلى رفاقي في (نادي الزّهور)؛ لأنّي أعلمُ في قرارة نفسي أنّ تأثيرهم (قدّس الله أرواحهم) سيكون قويًّا، ولربما هجرتُ كلّ ما أنا فيه، وعدتُ إلى سيرتي الأولى معهم من لقاء واحد.

بدأتُ أواظبُ في المدرسة على صلاة الظّهر في المصلّى، وأذكر أنّ صديقي عبد العزيز العبّاد الذي كان يجاور مقعدي طوال المرحلة المتوسطة بدأ يلاحظ تردّدي على مصلّى المدرسة، وكان الله قد منّ عليه بالهداية، وعليه سيما (المطاوعة) من بوادر لحية، وجبهة مشرقة. فبدأ يقبل عليّ من جديد، وإذا صادفني في الممرات أطال الحديث معي، وأذكر أنّه في أحد تلك اللقاءات أملى عليّ حديث فرحة الله بتوبة عبده، وأدّاها بطريقة خطابية مؤثّرة، وخاصّة حين ختم الجملة الأخيرة (اللهم أنتَ عبدي، وأنا ربُّك)، وقال: أخطأ من شدّة الفرح.

وممّا أذكره ولا أنساه أنّ شابًّا اسمه: حسين باشنين، تقدّم إليّ مرّة وأنا في مصلّى المدرسة برفقة عبد العزيز العبّاد، وأهداني محاضرةً لعائض القرني، لا أذكر عنوانها، ولكني أذكر أنّي استمعتُ إليها. وكانت لجماعة التوعية بعض الأنشطة، منها: أنّي استمعتُ مرّة إلى كلمةٍ مختصرةٍ موجزةٍ ألقاها شابٌ صغيرٌ الحجم، ذكي الفؤاد، فصيح اللّسان، كان يتحدّث عن أهميّة الوقت، وضرورة استغلاله فيما ينفع، وأنّ المرء إذا عجز عن استغلال وقته، فعلى الأقل عليه أن يحرص ألا يضيع وقت إخوانه. وقد غدا هذا الشّاب بعد سنواتٍ عدّة أحد أصدقائي المقرّبين، أعني: فضيلة الشّيخ عدنان بن صفاخان بخاري، أبا عاصم.

عُلّقتِ الدّراسة بعد نهاية الفصل الدّراسي الأوّل لأجل ظروف حرب الخليج، ولم تنتظم الدّراسة في الفصل الثّاني إلَّا بعد إجازة عيد الفطر المبارك. أثناء فترة التّوقف هذه صرتُ أرافق والدي في صلاة الفجر، وهذا التّرداد اليومي أعاد إليَّ ذكرى حلقات التّحفيظ بالمسجد الحرام، يوم كنتُ منتظمًا في حلقات الأستاذ حسنين فطاني وأنا بالصّف الأوّل الابتدائي عام 1399 رُفقة أشقائي عثمان ومحمّد، ثم قطعنا الحلقة، ثم أعادني إلى حلقته والدي عام 1405 وألحق معي شقيقي إبراهيم الذي يصغرني بخمس سنوات، لم يطل مكثي في حلقته أكثر من ستّة أشهر، ثم هجرتها من جديد= فقررتُ أن ألتحق بحلقة من حلقات تحفيظ القرآن الكريم للكبار بمعهد الأرقم بن أبي الأرقم، فألحقوني بحلقة أستاذٍ أزهريّ اسمه: محمّد ربيع، وكان شيخًا كبيرًا مغتربًا يعيش وحيدًا في (رباطٍ خيري). كنتُ ألتقي به في بعض الأحيان غادٍ على قدميه إلى المسجد الحرام، أو رائحٌ بعد صلاة العشاء إلى منزله، فلا أقتربُ منه، ولا ألقي عليه التّحية؛ لأنّه كان يمشي ويُحرّك شفتيه بالقرآن، وكأنّه في محفلٍ، فأكره أن أقطع عليه (جوّه).

وفي هذه الفترة كذلك انتظمت في دروس الشيّخ محمّد خيرو حجازي (الشّيخ مكّي)، كما أسلفتُ حديثَه في مقال سابق (رائحة الحبّ)، فلمّا انتهت حربُ الخليج، واستقرّت الأمور، وعادت الدّراسة؛ بدأتُ ألحظ طلبة معهد الحرم في صحن المسجد الحرام بعد صلاة الفجر، تلامذة صغار في الصّفوف الإعدادية (المتوسطة)، وشباب وكهول وشيوخ في جميع الصّفوف الدّراسية، وشدّني أنّهم لا يحملون مقررات دراسية مثل التي تعودّت على دراستها، وإنّما يحملون مجلداتٍ ضخمة كالتي أحملها لحضور درس الشّيخ مكّي.

كنتُ أذهب إلى المسجد الحرام كلّ يوم، ولا أغادره إلَّا بعد صلاة العشاء، وأحيانًا كنتُ أخرجُ من المدرسة، وأذهب إلى الحرم مباشرة. يلذ لي أن أجلس في أروقتها، وأراجع وردي من القرآن. ومرّة مررتُ نهارًا بحلقات معهد الحرم، فرأيتُ الشيخ يحيى عثمان الهندي في حلقة، والشيخ محمّد عبد القادر منديلي جارنا في شعب علي في حلقة، والشّيخ صادق الأنصاري جار أبي فيصل في حلقة، فصرتُ أتنقل في الحلقات، أستمع إلى هذا مرّة، وإلى هذا مرّة. فاستمعتُ إلى الشّيخ موسى بوقس السُّكري، وإلى الشّيخ فهد العريني وكان شابًّا لَسِنًا.

بعد عدّة زيارات لهذه الحلقات؛ حزمتُ أمري، وقررتُ أن أترك ثانوية الملك عبد العزيز، وألتحق بصفوف معهد الحرم المكّي الشّريف من الصّف الأوّل الإعدادي (المتوسط). ومع بداية الفصل الدّراسي الأوّل لعام 1412 تجاوزتُ كلّ العقبات التي وقفت أمامي، وصرتُ طالبًا في الصّف الأولّ الإعدادي (المتوسط)، بمعهد الحرم المكي الشّريف، واستلمتُ من مستودع (رئاسة شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي) الذي كان في السّوق الصّغير المقررات الدّراسية، وكانت على النحّو التّالي: تفسير الجلالين، والبرهان في تجويد القرآن، وفتح المجيد شرح كتاب التّوحيد، والكواكب الدّرية شرح متممة الآجُرّومية، وتيسير العلام شرح عمدة الأحكام، والعُدّة شرح العمدة (عمدة الفقه)، ومختصر سيرة ابن هشام، والمفرد العلم في رسم القلم، ونزهة الفضلاء وروضة العقلاء،وكرّاستان في الخط العربي.

وفي أوّل يوم دراسي في المعهد التقيتُ بأحد زملائي بثانوية الملك عبد العزيز أبي معاذ أكرم محمد الوصابي، غير أنّه قدم إلى المعهد بشهادة الثّانوية، وأنا التحقتُ بالمعهد بشهادة الابتدائية، وفي زملائنا من التحق بالمعهد بشهادة توصية بأنّه يحفظ القرآن الكريم، كانتِ الأمور تجري في إدارة معهد الحرم المكي الشّريف طبقًا لما يقرره مديرها فضيلة الشيخ صالح المقوشي (رحمه الله). كان لقائي بأبي معاذ في أوّل يوم دراسيّ نواة صحبة وأخوّة ممتدّة إلى اليوم.

وهكذا قضيتُ في معهد الحرم في حلقاته المفتوحة ستّ سنوات دراسية (1412-1417) هي أجمل سنوات عُمُري، وأخصبها تأصيلًا وتأسيسًا، وفيها اغتسلتُ من كلّ الماضي الذي طويتُه خلفي بكلّ ما له وما عليه. كنّا نجلس إلى مشايخنا، وأبصارنا تتعلق بالكعبة الشّريفة، فإذ وقفنا رأينا الطّائفين حولها. وإذا شعرنا بالظّمأ نقوم إلى برادات ماء زمزم، وإذا أُذن لصلاة الظهر انتظمت صفوفنا في أروقة المسجد الحرام، أو في صحن الكعبة المشرّفة، حيثُ تظلّنا سحابة باردة.

فسقى الله تلك الأيّام!!

الأحد 4 ربيع الأول – 1 ديسمبر

6 thoughts on “نقطة تحوّل!!”

  1. كنا نواصل الليل بالنهار للمذاكرة في الحرم ..
    كان ذلك دأبنا أيام الامتحانات ..
    ولما أقام المؤذن لصلاة الفجر، ذهبنا واصطففنا للصلاة في صحن المطاف ..
    أشار أخونا أبوحمزة إلى أحدهم وهو يبحث عن مكان للصلاة بالقرب من كرسي الشيخ مكي ليصلي قربه ..
    ومعه كتاب ..
    وبعد الصلاة سلمنا عليه ورحب بنا ..
    كنا حينها أصحابه الجدد من المطاوعة الفطانيين .. الذين لم يسمع عنهم من قبل ..
    حيث تلاقت طرقنا بعد انقطاع ..
    ثم بدأ يذكر لنا خلاف النحاة في مسألة من المسائل .. يراجعها معنا من كتابه الذي معه .. ونحن ننظر إليه مبتسمين ..
    استعجلناه لا يطيل علينا كي ندرك نحن أيضا امتحاناتنا .. وهو يدرك تماما أننا لم نكن نعي ما يقول ..
    ولما انصرفنا عنه ..
    سألت أبا حمزة حينها: متى التزم الأخ؟
    فقال : لا أدري؛ لكنني وجدته يوما متأبطا زنوبته(نعله)، وقد رفع ثوبه وأسدل شماغه ..
    فقلت له: ما شاء الله متى التزمت؟
    فقال (مستظرفًا): أمس.

    1. قصّة لطيفة، أظنّ أنّي كنتُ أحاول أن أظهر تفوقي عليكما في الطلب بعامّة، و(النّحو) بخاصّة، كنتُ مصابًا بعاهاتٍ كثيرة. غفر الله لي ولكم. أبو حمزة عرفتُه قديمًا في حلقات أستاذنا حسنين، وأظنّ أني تنّمرتُ عليه مرّةً، وقد ذكّرني بها. وممّا أذكره أنّي لقيته يومًا صحبة زميلي حسن فطاني وكانت بينهما رحمٌ ومصاهرة وكنتُ يومها في الصّفّ الثّالث الإعدادي، ثم غاب عني، ولم ألتقِ به مجدّدًا إلَّا يومَ لقيتكما معًا عند الدكتور أحمد عبد اللطيف.

      1. لا ..
        كنتَ تراجع ما كنتَ تذاكره بالأمس
        فلما وجدتنا استخدمتنا كزملاء لك في الطلب (الصف) تناقشنا في المسألة
        ونحن في النحو وقته لم نتجاوز قواعده حتى ندخل في نقاشاته فضلا أن نخبر من هو ابن عقيل ..
        وكان أبو حمزة معجب بك ويحب ظرافاتك .. يحكيها لنا بين الفينة والأخرى ..
        لذلك حكى لي ما جرى بينكما عندما كنت بين الأحباب ..

  2. الله الله على ايام كانت من افضل ايام طفولتي تمنيتها تستمر للأبد حين سكنتم المنزل.أذكر إنكم سكنتم الدور الأرضي وكنا في الدور الأول وعمي في الدور الأخير. كنت اتردد علىكم قدر المستطاع وأتشرف محادثتكم ومن التجارب الجميلة والمقالب المضحكة منها فاكهة الثوم من خالي عثمان ههههههه. كم تمنيت زلة كلامي المعتاد ان تمحى من الذاكرة.
    كتيب (عذاب النار وأهوال يوم القيامة) إن لم يخب عن الذاكرة كانت واجهت الكتاب شهب نارية على ارضية مكسورة. كانت من الكتب التي اقرأها اثرت بي كثيرا في تلك الأيام.

    اللهم احفظنا وثبت قلوبنا على الطريق الصحيح

  3. الحمدلله على نعمة الهداية
    الله يغفر لنا ويثبتنا
    قصة جميلة جدا
    ولكل شخص مهتد قصة
    بوركت يا دكتور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *