طريقةٌ في الحياة

لا زِلتُ أتعلَّم من أبي رغم البُعد الزّمني الذي يفصل ما بيننا، أتلقى عنه إشاراتٍ تضيء جوانب من أسرار الحياة، وتعزِّز في نفسي قيمًا إنسانية أؤمن بها. فأزداد تعلّقًا بها.

تتمثل هذه الإشارات في كلمة أقرأها له في حاشية كتابٍ من كتبه، أو خبر يقصّه عليّ أحدُ أشقائي، أو مواقف سابقةٍ دارت بيني وبينه، حين أعيد قراءتها أجد أنَّ موقفه وكلمته تتغيّر في نفسي لأنّ زاوية فهمي تغيّرت، وقلبي الذي ينقد ذلك الموقف كذلك تغيّر، فالحياة تزيدك علمًا ونضجًا، فأقرأ والدي في كلّ مرّة قراءة مختلفة. ففي كلّ قراءة أجده يُعلِّمني شيئًا جديدًا أو يتعاهد في نفسي غَرسًا بالسّقي مرّة بعد مرّة.

هذا الصّباح قرأتُ تعليقًا على جداريتي (حَدَثٌ آخر) كتبه الصّديق العزّيز الفخر بن عبد اللطيف، ذكر في تعليقه قصّتين موجزتين عن والدي؛ الأولى عن أوّل مرّة عرف فيها والدي، والأخرى عن آخر مرّة رأى فيها والدي وبين القصّتين حوادث أعادت تشكيل الحياة الاجتماعية من حولنا. كان والده (والد الفخر) قاسمًا مشتركًا في القصّتين، حاضرًا في الأولى برسمه، وفي الأخرى باسمه، أشار له والدُه في الأولى إلى والدي قائلًا: هذا صديق والدك، فاتخذ ولَدَه صديقًا لك (يشير إلى شقيقي الأصغر إبراهيم).  أمّا في الأخرى، فكتب الفخر: أنّ والدي وهو على فراش مرض موته كان يذكر والدَه بكلّ خير.

الجدير بالذِّكر أنِّي أعلمُ -والفخرُ يعلمُ- أنَّ الخصومةَ عرفت طريقها بين الاثنين (رحمهما الله)، وانقطعت أسبابُ الوِصال بينهما، ولم تتصل. ومع ذلك كلّه لم تمتد الخصومة خارج إطارهما، فلم تمنع الفخرَ من زيارة خصمٍ لوالده، ولم تمنع والدي أن يذكر فضائلَ خصمه في حضرة ابنه.

لم يكونا في خِصامهما بَرَرة، وما كانا فيه فَجَرة، فغفر الله لهما، ونَزَع ما في قلوبهما من غِلٍّ إخوانًا على سررٍ متقابلين.

القيم والأخلاق .. تتشكّل وتتبلْوَر عبر الزّمان، فتكون إرثًا ثقيلًا ينتقل من جيل إلى جيل. ولذلك كنتُ مفتونًا بهذه الفكرة أثناء قراءتي لرواية غابريل غاريسيا ماركيز (مئة عام من العُزلة)، والتي لم يستطع العديد من رفاقي إتمام قراءتها. أمَّا أنا فقرأتُها بكثير من الحيرة وقليل من المتعة، وكانت هذه الفكرة تفتنني أثناء القراءة، وأنا أتتبع الأحداث التي تعاقبت على عائلة “خوسيه أركاديو بونديا” طيلة مئة عام، وكيف ساهمت هذه الأحداث في بناء قيم وأخلاق أفراد هذه العائلة عبر هذه المئة عام.

الزّمن بوجهٍ عام عاملٌ مؤثِّرٌ في عملية بناء التّصوّرات أو مراجعتها، لذلك ليس من العبث أن يعيد الإنسان كلّما تقدمت به الحياة، وزادته الأيّام علمًا ونضجًا= قراءة كتاب سبق أن فهم مفرداتها، أو روايةٍ سبق أن أتى على فصولها. أو حتى إعادة النّظر في مسألة علمية سبق أن قتلها بحثًا. فقد يخرج بتصورات جديدة، أو يتراجع عن تصورات وقناعات قديمة.

وإنَّ من أمثل ما يُعتنى بتكرار النّظر فيه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وكلُّ كتب السيرة النبوية بوجهٍ عام نافعة، يختار القارئ منها ما يناسب فكره ولغته وثقافته، ولستُ فيها بناصحٍ بكتاب دون كتاب. ولكني أنصح بكتاب واحدٍ فقط ليس لقيمته العلمية التي ليست عند غيره، ولكن لقيمته النّقدية، فهو نافعٌ جدًّا في تعلم مهارات القراءة النّقدية لنصوص روايات السيرة النبوية رِوايةً ودِرايةً. أعني بذلك: (السيرة مستمرة)، للكاتب العراقي الدكتور أحمد خيري العُمري.

قراءة السّيرة النبوية بصفة مستمرة ودائمة .. طريقةٌ مُثلى في الحياة.

الخميس 11 صفر – 10 أكتوبر

11 thoughts on “طريقةٌ في الحياة”

  1. رحمهما الله ..
    نعم .. كانا خير خصمين على ما كان بينهما من الجفاء ..
    وخير والدين .. فلم يسمحا أن تمتد الخصومة إلى غيرهما ..
    حتى بعد أن علم والدي بصحبتي إياك -بعد حين- لم يتمعَّر ولم يَنْهَر .. وما هو بالرجل الذي يتوانى لو أراد ..

    وكان ظني أنْ لوِ امتد الزمان بهما فلربما طُويت تلكم الصفحات ..
    فالزمن كفيل بكل شيء ..
    قاتل الله الوشاة ..

    1. إنّها أخلاق الكبار يا أبا عبد اللطيف،،
      وأرجو أن تمتدّ فينا وفي أبنائنا، دون أن يتطرّق إلى علائقنا ما يعكِّر صفوها،،

  2. رحم الله تلك الهامات الكبيرة، وغفر لها ما قدمت، وأدام الود بينكم جميعا.
    جميل جدا ما ذكرت يا أبا سفيان، وهكذا كان والدي رحمه الله، ووالله إني لا زلت أتعلم من مواقفه معي وقد مضى على وفاته حوالي ثمان سنوات رحمه الله، وقلما يحدث معي موقف لأحد أبنائي إلا وأذكر موقفا مشابها له حصل بينه وبيني، فأغتنم الفرصة لأخبر أبنائي بذلكم الحدث، وأنصحهم بما أراه مناسبا دون الضغط عليهم وإرغامهم على خلاف ما يريدون.
    يا صديقي ..
    سنبقى نتعلم من مواقف الكبار حتى نلحق بهم.

  3. بورك لك فيم نقلت وانتقيت من الخصال الحميدة التي قلّما نجدها هذه الأيام ولكنها كانت موجودة عند والديكما رحمها الله وعفا عنهما … ومد بينكما أواصر الأخوة والمحبة لتوصلوها بعد ذلك الى أبنائكما..

  4. مصادر استقساء المعلومات للعلم والتعلم كثيره ومتعدده هنيئالمن يوفق في اختيار واتباع المفيد منها . لاشك ان السيرة النبويه لايختلف عليها اثنان لكن الوالدين تشعر من نصائحهما وتوجيهاتهما انها نابعه من القلب وغير قابله للنقاش .
    رحم الله والدينا ووالديكم وجميع اموات المسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *